حكايات رمضانية 3- الجشع من كتاب حكايا وعبر لبشرى شاكر
Ati mag
في قبيلة من قبائل الريف المغربي الهادئ ومنذ زمن بعيد، كان يعيش رجل يعيش من رعي الغنم لدى الغير ويتقاضى أجرا على ذلك وهذا ما يدعى “الخماس” لدى هاته القبائل، وقد كان معروفا بكسله فما أن يذهب بالغنم إلى سفح الجبل إلا ويغفو مسندا رأسه إلى إحدى الصخرات، وقد كان يعتمد على كلبه الأمين في اشعاره بتواجد غريب سارق أو ذئب يحوم حول القطيع، ومع كسله وقلة عمله كان هذا الراعي يحلم بأن يصبح مالكا مثل سيده لقطيع من الغنم يغنيه عن العمل عند غيره وكان يتقاعس عن أي شيء إلا الدعاء لله وكان رجاءه الوحيد الذي يلح في طلبه من الله تعالى أن يصبح لديه أغنام كثيرة ويكمل دعاءه بوعده لله أنه لو وهبه المال الوفير والرزق اليسير سيشتري الهدايا للصغير ويغدق على الكبير ولن يرد أي فقير.
وهكذا توالت الأيام وراعي الغنم يتكاسل وينام و يدعو وينذر النذور ويعود بآخر النهار إلى مالك القطيع ليسلمه إياها ويذهب لينام ببيت صغير مجاور وذات يوم غفا بعدما أنهى دعاءه فرأى مناما عجبا، رأى هاتفا ينبئه بتحقيق المنى وأضاف الهاتف البشير بان على الخماس أن يشيد زريبة كبيرة جدا تتسع لكل ما سيأتيه من غنم، فقام مفزوعا ونسي المنام واستمر على ما هو عليه من عمل بسيط ودعاء مستمر ووعود بالخير إن نال الرجاء وتحقق المراد. وفي اليوم الثاني عاوده الحلم وباليوم الثالث عاد نفس الحلم فصدق أن الحلم رؤيا وقام عازما على تشييد الزريبة بيده كما كان شرط المنام فشمر على ساعد كان لمتقاعس فصار لهمام، وجاءه مالك الأغنام التي كان يرعاها فسأله ما الذي يفعله وما الذي أقعده عن رعي غنمه فأجابه باقتضاب انه يبني زريبة لغنمه وأنه منذ اليوم لن يرعى إلا غنمه وسيكون السيد على نفسه فانصرف الرجل وهو يردد: لا حول ولا قوة إلا بالله جن الراعي وفقد عقله.
وشيدت الزريبة في وقت قياسي فمن كان من قبل متكاسلا صار للفأس حاملا، يبني و يشيد وأخيرا انتهى وغفا من شدة التعب وفي الصباح استيقظ ليرى ما بناه وليعجب لأمره وصار يحدث نفسه ويقول: أيها العبد الضعيف، ها قد أضعت اجر الرغيف وجلست تشيد الحظائر، فهل صحيح ما قال سيدك أنك قد جننت؟
وبينما هو يحدث نفسه ويلومها على ما سولت له إذ لمح شيخا عجوزا يجر أمامه أغناما كثيرة تمشي أمامه كما لو كانت تعرف طريقها فوصلت الزريبة ووقفت أمامها كما لو أنها تنتظر أمر الشيخ العجوز ليأذن بدخولها، وقف الراعي خائفا وجلا ومبهورا بالنور الذي يشع من وجه الشيخ الذي أمامه، فاغرا فاه دون أن ينبس ببنت شفة، بادره الشيخ بإلقاء التحية فلم يرد الراعي بل بقي مشدوها فهزه الشيخ بعصاه وقال له، إن حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها، فأجاب الراعي: عفوا سيدي وعليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، ودعاه ليتفضل بالجلوس، فقال له الشيخ العجوز بارك الله فيك يا ولدي، ولاختصار الكلام لقد كنت نائما فرأيت رؤيا تدعوني إلى أن اصحب غنمي وما أملك لأضعه بين يدي راع فقير يشيد زرائب لاستقبالها وما عهدت رؤاي إلا صادقة وأنا رجل عجوز طاعن في السن لا ولد لي ولا وريث ولم يبق من العمر إلا ما اقضيه في طاعة الله ومرضاته وما لدي من زاد يكفيني إلى أن يحين الرحيل. فتعجب الراعي لحكي الشيخ وأخبره بحلمه فرد الشيخ وقال: إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتيكم خيرا، وهم بالذهاب ولكن قبل رحيله خاطب الراعي بشيء من الحسم وقال له، اسمع يا ولدي ها قد كان لك ما دعوت به دائما فلا تنس حق الله ووعدك له تعالى. فودعه الراعي وهو يؤكد أنه لن ينساه أبدا…
ومرت سنة وازداد عدد الغنم وباع منها ما باع وعمل على رعيها بنفسه ولم يحضر لها راع فكان يقول أن جحا أولى بلحم ثوره وما سيزيدني الراعي إلا حمل أجرته ومأكله ومشربه؟ وهكذا كان يرفض كل راع يأتيه إلى بيته قاصدا العمل وإن كان في أمس الحاجة إليه وقد اصبح الخماس القديم ميسور الحال لا يمنعه شيء من اتخاذ عامل بسيط لديه ولكنه بعد أن كان كسولا أصبح يفيض حيوية ونشاطا، لا لشيء إلا لكي لا يمنح أجرة أحد وما كانت ستنقص غنائمه بضع دريهمات يتقاضاها عامل لو استأجره.
وعندما انتهى الحول، جاءه نائب عن شيخ القبيلة فدق بابه، ليستقبله عند المدخل وطلب منه باستعلاء أن يخبره ما يريد فليس لديه وقت يضيعه، فأجابه الموظف قائلا انه موعد الزكاة وأنا اطرق الديار للتذكير بها فهل ستعطي حق الله في مالك لبيت مال المسلمين ولإسعاف المحتاجين وسد رمق المستضعفين؟ فرد عليه الراعي قائلا، سوف أمر في طريقي لكم إن شاء الله، ومضى يومان ولم يأت فبعث له من جديد رسول يطلبه لبيت شيخ القبيلة فذهب إليه وهو يجر نعجة عرجاء طاعنة وقال له هذا نصيب اخوتنا في الزكاة، فقال له المسئول عن بيت المال ولكن ما هاته النعجة الشبه ميتة؟ لقد يسر الله أمرك وأغدق عليك فتعطي الفقراء حقا، شاة مريضة؟ فرد الراعي قائلا: ولكن يا سيدي إن الغنم ليست لي وأنا فقط راع عليها بنسبة من الأرباح وهذه النعجة المسكينة كانت ربحي الوحيد هذه السنة وقد زهدت فيها وآثرت الفقراء على نفسي، وبعد أن أنهى كلامه عاد إلى بيته مسرعا وهو يبتسم لنجاح تمثيليته وما أن بلغ بيته ونزع ثيابه وجلس إلى نار يدفئ جسمه بها إلا وسمع طرقا على الباب فاستشاط غيظا وفتح يصرخ من هنا؟ فأجابه صوت ضعيف لامرأة وهنة قالت: سيدي إن زوجي غائب عن البيت منذ مدة ولا نعلم متى يعود و أبنائي يتضورون جوعا، فهلا أسعفتنا بجرة حليب ورغيفين لسد رمقهم؟ فدفعها ورد عليها بخشونة قائلا: وهل وجدت أنا ما أسد به رمقي لأسد رمق الجيران؟؟ فبكيت المرأة وعادت أدراجها خائبة.
وهكذا كان الراعي الكسول الذي لم يكن يوما يتمنى غير تحقيق حلمه، يرد كل من يطرق بابه ولا يخرج حق الله في ماله ولا حتى الزكاة ونسي أن الرسول الكريم عليه أفضل الصلوات والسلام قال: ليس في المال حق سوى الزكاة.
وبينما هو ينعم بقيلولته ذات يوم، إذ سمع طرقا بالباب ففتح وهو يتمتم بكلمات غاضبة ولما فتحه، تراجع إلى الخلف إذ وجد أمامه من كان قد نسيه، وجد الشيخ العجوز يحييه فرد تحيته ودعاه للدخول بأدب فرد عليه الشيخ معتذرا عن قبول دعوته وقال: جئت لأخذ أغنامي فلم تراع حق الله فيها وأخلفت وعدك له ولي، فتغيرت سحنة الراعي وتبدل لون وجهه واحتقن غضبا وقال له: أية أغنام تتحدث عنها ومنذ متى تملك شيئا لتعطيني إياه؟ حقا خيرا تعمل شرا تلقى، آويتك من برد الشتاء وطلبت منك الدخول فإذا بك تطمع في مالي وتريده لنفسك، والله ما أراك إلا عجوزا بلغ به الكبر عتيا، فأصبح ينطق بالتخاريف. ثم نهر العجوز وطرده من بيته فخرج الشيخ وهو يردد: أنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون.
ورحل الشيخ وعاد الراعي ليتمتع بما ليس له ونام هادئا قرير العين غير آبه لكونه قد أخلف وعده وغير مكترث لحق الله الذي لم تسمح نفسه المريضة بإخراجه زكاة للفقراء، نام ليستيقظ ويذهب كعادته ليحضر القطيع ويذهب بأغنامه إلى سفح الجبل فوجدها نافقة ميتة، جيفة، لم يصدق ما يرى أمامه، فاخذ يصرخ وينوح تارة وتارة أخرى يضحك بهستيرية إلى أن فقد الرجل عقله فاخذ يمشي في القبيلة يهذي ويرعى أغناما ليست موجودة إلا في مخيلته وصار أضحوكة للجميع و بعد أن أهداه الله تحقيق حلمه في دنياه فجحد نعمته ها قد سلب ما منح وخسر دنياه وآخرته.
والعبرة في أن تخرجوا حق الله في أموالكم وتأتوا من أموالكم الحق المعلوم للسائل والمحروم ولا يوسوس لكم الشيطان فتتخذوه وليا وهو لكم عدو مبين…

Ati Sport