على رمال مارتيل الذهبية.. حكاية «الفلاق» ورفيقتيه «نور ومهنّد»: فلسفة بساطة ونثر يعانق البحر
بشرى شاكر/ Ati Mag
مارتيل – على امتداد الكورنيش وشاطئ مارتيل الذهبي، حيث تمتزج زرقة البحر الأبيض المتوسط برمال تطوان الهادئة، يلفت انتباهك مشهد مألوف لأهل المدينة، لكنه يبعث على الدهشة والاستغراب في عيون كل عابر وزائر جديد. رجلٌ وقور، يخطو بخطى ثابتة، لا ترافقه حراسة ولا كلاب حراسة، بل وزّتان وديعتان تتبعانه بكل طواعية وكأنهما ظله؛ إنه الحاج محمد الفلاق، أو كما يُلقبه الجميع هنا بمودة: «مول الوز».
لقاء صدفة على هذا الشاطئ كافٍ ليفتح أمامك نافذة على عالم إنساني بديع قلّ نظيره. فالحاج الفلاق ليس مجرد عابر طريق، بل جزء من هوية المكان وذاكرته الحية. يُمضي ساعاته بين البحر والرمال، يجلس مطمئناً وبجانبه رفيقتا دربه اللتان اختار لهما من الأسماء «نور» و«مهنّد»، في ثنائية لافتة طبعت يوميات الشاطئ وأضفت عليه لمسة من السحر والبساطة.
حين يتكلم نثراً.. تنصت الرمال
الحديث مع الحاج محمد تجربة فريدة بحد ذاتها؛ قد تستمع إليه في البداية وتستعصي عليك بعض مقاصده أو يبدو كلامه حمّال أوجه وألغاز، لكن ما إن ينساب صوته بلغة النثر والحكمة حتى تأسرك كلماته ويبهرك عمق تعبيره. رجل يمتلك بياناً فطرياً تختلط فيه عفوية البحر بحكمة السنين، فيتحول حديثه إلى لوحة تأملية في الحياة والوفاء وعوالم الكائنات.
وفاء بلا حدود وقسمة رغيف
علاقة «الفلاق» بوزتيه تتجاوز منطق الترويض أو التربية التقليدية، لتصل إلى مرتبة الرفقة الروحية الصادقة. يؤكد الحاج محمد، في حديثه العفوي المليء بالمشاعر، أنه لا يبخل عليهما بشيء على الإطلاق؛ يقتسم معهما ما تجود به يداه، ويأكلان مما يأكل، يطعمهما بعناية واهتمام ويحرص على راحتهما كما لو كانتا فردين من عائلته. وفي المقابل، تمنحانه طاعة مدهشة وألفة نادرة، فلا تبتعدان عنه قيد أنملة وسط جموع الناس وأمواج البحر.
يغادر المرء شاطئ مارتيل بعد هذا اللقاء وفي جعبته درس بليغ في الرحمة؛ فالحاج محمد الفلاق بوزتيه «نور ومهند» ليس مجرد مشهد طريف يلتقطه الفضوليون بعدسات هواتفهم، بل هو حكاية وفاء ملهمة تُذكرنا بأن لغة الرفق والكرم تفهمها كل الكائنات، وأن أجمل القصص الإنسانية هي تلك التي تُكتب بصدق على رمال الشواطئ الهادئة.

Ati Sport