حكايات رمضانية : أهمية الأشياء بفقدها
من كتاب حكايا وعبر لبشرى شاكر
Ati Mag
في أحد بقاع الأرض البعيدة حيث كان يعيش سلطان أوتي من العز والجاه ما جعل رعيته تنقسم قسمين، فريق يحبه لقوته ولاستتباب الأمن في عهده وفريق من الناقمين الحاقدين، الذين تتآكل قلوبهم حسدا وحقدا على ما أعطاه الله من نعمه ومن بين هؤلاء كان وزيره الذي قربه إليه وأسدل عليه حمايته وأغدق عليه العطايا.
هذا الوزير كان يكيد له المكايد الواحدة تلو الأخرى، ولكنه كان ينجو منها كل مرة بفضل الله تعالى. وقد كان هذا الوزير يتطلع إلى كرسي الحكم، فكان يريد إحداث انقلاب على الملك لكي يجلس مكانه على العرش وحينما لم يفلح، بدأ يدبر لقتله ولكن هنا أيضا كان ينجو الملك، وقد بدأت تتضاءل حظوظ الوزير في الملك خاصة بعد أن أنجبت زوجة الملك طفلين توأمين، كانا ابنين جميلين، حاول أيضا الوزير قتلهما ولكن الله كان يحميهما من مكائده، واستمر حقده سنين طويلة، بل نما وكبر وإن كان سنه يتقدم فنفسه المريضة لم تشف بعد من حب الجاه والملك، وما زال ينتظر الفرصة لعض اليد التي أكرمته وجعلته أقرب وزير للقصر، كل هذا البغض والملك لم يكن يرى فيه سوى الصديق والأخ القريب، كان يستشيره في كل شيء، ومرت سنين والوزير يكيد المكايد والملك ينجو منها ويقربه أكثر إليه، إلى أن كبر الطفلان وصارا شابين وبدأت علامات السنين تظهر على محيا الملك وبدأت صحته تتدهور فقرر أن يعلم ابنيه الاعتماد على نفسيهما، فجعلهما على رأس إمارتين متباعدتين، وكان يحاول إرشادهما من بعيد لكي يكونا مؤهلين للحكم من بعده.
وقد كانا الشابان ورغم أنهما توأمان إلا أن اختلاف الطبع الذي كان يوحدهما صغيرين بدا حادا في كبرهما، فقد كان أحدهما قويا شديدا، ولكنه يحب المرح واللهو ويقيم سهرات وحفلات كل نهاية أسبوع، ولكنه كان جميل الكلام حلو الحديث، لبقا في الحوار، بينما كان الابن الثاني طيبا مؤمنا تقيا، ولكنه كان قليل الكلام متلعثما اثناءه وكتوما أيضا.
في احد الأيام مرض الملك واستدعى الطبيب فقال له وقد كان صديقا وفيا يداويه منذ سنين طويلة: برأيي سيدي أن تمنح وكالة بالملك لأحد ابنيك فقد كنت أعالجك من قبل ومنذ سنين ولكني لا أملك لمرضك الآن علاجا فقد قال عليه الصلاة والسلام:
“تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلَّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ”
ففهم الملك المعنى وأدرك أنه قد حان الوقت ليقلد المسؤولية لأحد ابنيه، ولكن هذا الأمر جعله يأرق أكثر فهو يحمل لابنيه الاثنين نفس المعزة ونفس الحب ولا يستطيع أن يفرق بينهما في الحكم ويخاف أن يجور على حق أحدهما، وبعد تفكير عميق قرر أن يمنح الملك لأحدهما وأن يجعل الثاني وليا للملك ولكن هنا أيضا لم يعرف أي واحد يمكنه أن يكون الملك وأيهما يمكن أن يكون وليه ولأنه ما زال يعتقد في إخلاص وزيره له ولأنه يحبه ويستشيره في كل صغيرة وكبيرة، استدعاه إلى البلاط وسأله في الأمر وبسرعة خارقة بدأ يفكر الوزير المكار بينه وبين نفسه متحدثا إليها: إن أصلح اختيار يقوم به الملك ويكون لصالحي هو أن يختار الابن اللبق الكثير اللهو والذي يحب التسلية إذ سوف يسهل عليه أن يسيطر عليه بأن يزين له مجالس اللهو والقمار، وبذلك يستنزف أموال الملك وتنقص قيمته عند الرعية ويتمكن الوزير بسهولة تهييج الناس ليثوروا ضده، أما لو تقلد الملك الابن الطيب التقي، فسيكون عليه أن يشن حربا أكبر ليحل مكانه وصحته لم تعد تتحمل انتظار سنين جديدة ، وحينما وصل إلى هاته النتيجة برقت عيناه كما لو كانتا عينا ثعلب، ونطق بالمشورة المسمومة وقال للملك: حينما تحس بتحسن صحتك ادع نفسك على الغذاء عند كل واحد من ابنيك على حدة وأثناء تناول الطعام اسأل كل واحد منهما هل يحبك وكم يحبك؟ ومن خلال الأجوبة سيتبين لك من أحق بالملك لأنه أكثر حبا وإخلاصا لك، وقد كان يعرف هذا الوزير المكار أن الابن الطيب يتلعثم ولا يستطيع الإجابة على الأسئلة المباغتة، وبهذا كان متيقنا أنه لن يجيب كما يجب، وهكذا فعلا فعل الملك واختار يوما وأخبر ابنه الأول انه قادم إليه على الغذاء، فاحتفى ابنه به لما زاره وقدم له أصناف المأكولات والمشروبات وأثناء الطعام سأله السؤال المباغت: فرد عليه الابن اللبق المتحدث قائلا: إني مهما وصفت لك حبي يا أبي فلن أوفيك حقك، أنا احبك يا أبي بعمق البحار بل أكثر وبعدد النجوم بل انك بالنسبة أكثر روعة من النجوم واستمر هكذا يتحدث والملك يستمتع بثنائه عليه وخرج من بيته فرحا مهللا وذهب لبيت الأخ الثاني صباح الغد، واستقبله الابن بحفاوة اكبر وبمائدة ولا أشهى ولا أطيب، ولكنه حينما سأله نفس السؤال الذي سأله لأخيه، تلعثم الابن ولم يعرف ما يجيب والتفت حوله فوقعت عينه على علبة ملح وضعت على الطاولة، فقال أحبك يا أبي مثل حبي للملح فغضب الملك وثار وقال له أهذا ما تقارن به حبي، حبك للملح؟ وترك بيته غاضبا حانقا وزاده حنقا الوزير الذي تبعه يبث سمومه ويقول: و الله يا سيدي لولا انه توأم أخيه لقلت انه ليس ابنك فكيف يقول انه يحبك مثل الملح وأنت من أغدق عليه وعلمه وجعله في اكبر المناصب؟ والله يا سيدي إني ما رأيت ابنا عاقا مثله ولا ناكر جميل مثله، وأمر الملك بأن يكون الموكل على الملك ابنه الذي كان بنظره أصلح من الثاني وهكذا بدأ الابن المنبهر بالوصول للحكم، يبذر أموال الرعية ويلهو ويقامر ويرافق الجواري. والوزير فرح بنتيجته، يراقبه من بعيد، فبالنسبة له لم يحن بعد موعد الضربة القاضية، ومرت الأيام هكذا والابن يبعثر ويبذر والوزير يتحين الفرصة المناسبة ليحدث انقلابا على الملك الشاب، وفي يوم من الأيام اشتد المرض على الملك ولم يحسن رعايته الابن الذي وكل إليه الحكم وكلما تأفف الملك يجيبه ابنه بأنه غير متزوج وليست لديه زوجة لترعاه وتخدمه ولا خبرة له في التطبيب ولا في معاملة المريض، ولما ضاق ذرعا بوالده وتذمره قال له: لم يا أبي لا تجلس عند أخي إلى أن تتحسن صحتك فهو لديه زوجة ويمكنها أن ترعاك وأنا سوف أزورك من وقت لآخر وأعدك أني لن أطيل غيابي عنك، وفعلا هكذا فعل الملك مرغما لا برضاه، وقد أحسن الابن معاملة أبيه إلى أن بدأ يتحسن، بينما معاملة الملك له كانت ما تزال جافة وفي الكثير من الأحيان حادة وكأنه يأبى أن يتنازل عن كبريائه ويظهر له امتنانه وقد كان هذا الابن كما قلنا آنفا لا يتقن الحديث وفعله أفضل بكثير من قوله، وهذا ما جعل والده ينفر منه وإن كان جاهد لتتحسن صحته، ولكن هذا الابن كان طيبا وتقيا وقد وهبه الله زوجة، اجتمع فيها الحسن والذكاء، وقد انتظرت إلى أن بدأت صحة الملك تتحسن ويوما ما فاجأته بمائدة كبيرة عليها كل ما تشتهي النفس ولكن كلما مد الملك يده إلى صحن ليأكل منه رمي اللقمة من فمه وهو يتذمر فلم يفهم ابنه شيئا ، وتقدم ليأكل ثم اخذ زوجته إلى زاوية من البيت وسألها ما هذا يا زوجتي العزيزة ما بطعامك اليوم لا ملح فيه؟ فقالت له يا زوجي العزيز، إن الطبيب قد قال لي إن الملح سبب داء والدك وعليه أن يعتاد على الأكل بدون ملح حتى تتحسن صحته، ولكي نمنعه عنه فلقد منعته عن كل البيت حتى لا يجد من الخدم أحدا يأتيه به فتتدهور حالته ولذلك علينا نحن أيضا أن نتناول الأكل بدون ملح إلى أن تستقر صحته ويصبح في أحسن حال، فوافقها الابن البار وصبر على أكل لا طعم له إكراما لوالده الغالي الذي لم يكن يطيقه وضاق ذرعا به أكثر حينما لم يعد ير لأكل زوجته طعما ولا لذة ولكنه كان يكابر، تارة يرمي اللقيمات وتارة يتناولها بمشقة واستمر أهل البيت على هذا الحال أياما لا يدخل الملح فيه بيتهم ولا يتذوقونه، واستمر الابن يتظاهر بحب الأكل من أجل مصلحة أبيه والزوجة أيضا وكل سكان البيت، ولكن ذات يوم ثار غضب الملك وانتهى صبره فهو لم يعد يأكل إلا قليلا حتى لا يموت جوعا ولكنه لم يعد يطيق صبرا فهو يريد أن يأكل أكلا جيدا له طعم، وعدم وجود الملح بالبيت يجعل كل الأكل مهما بذل من الجهد لتحضيره لا طعم له فصار يبحث في أرجاء قصر ابنه كله عن احد يأتيه بالملح وطبعا لم يجد ولا حبة ملح واحدة، فانتظر قدوم ابنه على مائدة الطعام وبدأ يصرخ في وجهه ويقول: أريد ملحا، فقال له الابن ولكن يا أبي الملح مضر بصحتك، فقال له الملك أريد ملحا وإلا غضبت عليك ليوم الدين، فنطقت الزوجة الحسناء قائلة: ولكن يا سيدي ويا ملكي أمن أجل الملح تغضب على ابنك؟ وتثير كل هاته المشاكل؟ أ لهذه الدرجة تحب الملح؟ رد الملك يغيظ : نعم أحب الملح، أحبه إلى أبعد حد، أحبه أكثر من كل شيء على وجه هاته البسيطة وما كاد يتم كلماته حتى فهم مغزى البريق الذي في عيني زوجة ابنه، أما الابن فلم يفهم شيئا حتى التفت يدا والده حوله وحضنته وهو يقول: ظلمتك يا ابني لأنك قلت لي تحبني أكثر من الملح وقد ظننت أمر الملح هينا وها أنا ذا اعترف أني أحبه أكثر من أي شيء على الأرض، ومتيقن انك تحبني أكثر من أي شيء ولكن تعبيرك قد خانك، وقد حكمت بينك وبين أخيك جورا وها أنا ادفع ثمن خطئي، فأخاك يلهو ويبذر وأنت بعيد عن القصر لا تعرف عنه شيئا والملك يتسرب من بين يدي. وهكذا بعد أن تصالح الأب والابن وأكلا طعاما شهيا حضرته لهما زوجة الابن الطيبة اخذ يحدثهما كيف كانت فكرة السؤال من الوزير، وهكذا فهم الابن وزوجته أنها كانت مكيدة نصبها الوزير ليفرق بين الأخوين وينفرد بالملك ويصل إلى العرش، فاستدعيا الأخ الموكل على الملك وحكيا له الحكاية كلها فتأسف لأنه بلع الطعم بسهولة وتاب على ما كان فيه وتعاون مع أخيه على شؤون البلد والناس دون أن ينسيا مشورة أبيهما في كل صغيرة وكبيرة لما له من الحكمة والخبرة في مثل هاته الأمور.
العبرة من قصتنا هاته في عبرتين، أولهما أن الإنسان يجب أن ينتبه لمن يظنه صديقا، فالصديق إذا ما اضمر قلب عدو يكون أشد قوة من العدو نفسه والعبرة الثانية والأهم، هي أن أهمية الأشياء تختلف من إنسان لآخر وتختلف حسب حاجتنا له، فالملح الذي رآه الملك دون قيمة بات أكثر قيمة من أي شيء بالكون لما افتقده طعامه.

Ati Sport