سفر ثقافي- إغماضة تفتح نافذة على أرض الكتابة بقلم ميساء المومني/ الأردن
تحتربُ أفكاري في رأسي أيها يمسك راية القلم أولًا، يحتلّ السطورَ الأولى، يجترح عذرية الورق..!
هذا ما أصيرُ إليه إذا ما سوّفتُ أمرَ الكتابة وكثفتها في حشدٍ جمعيّ واحد.
فـتغيب تفاصيلُ وتحضر غيرها، لذا سأنزل مضطرة عند رغبة النّص بأن أقلّبهُ ما بين الواقعيّة والخيال ورغبتي كـ كاتبة بأن أطوي الواقع في فكرة وأقيسَ اليقظةَ بكميّةِ الأحلام..
أظن أنّ بعض ما يؤرقنا يحتاج منّا إغماضة “بورخيسيّة” ثاقبة تجترّ أطياف الأزمان الهاربة. بورخيس الذي يدينُ بالكثير لفقد بصره – على حد قوله- يكفيه مزيّة ذاك الظل الشبحي اللّانهائي لينزفَ كلّ ما علق ونشب بالذاكرة. ..
هل حقًّا بتنا نحتاج لإغماضةٍ عميقةٍ بعيدةٍ، تسافر بنا من حلمٍ لآخر، ليبدو ما نكتبه عفيًّا نقيّا طازجا دون مرارة الحقائق الشائنة..ربما
ما حاجتنا للكتابة؟
هذا يضع تأملاته الفلسفية لخلاصة تجربته، يسقطها على حيواتنا المتناقضة، ستتفق مع بشريتنا كثيرا، لأننا ببساطة نتكرر باستمرار..
وذاك يسعى لتخليد غيره بقصدٍ أو دونه؛ فيكون امتداده المتمدّن والمتماهي العنيد مع حالاته الأدبية الفريدة، فتعدّدت المدارس. فهذا نزار قبّاني العصر وذاك درويش زمانه وهؤلاء غادات يكتبنَ الرسائل بانتظام. وهذا جبران وذاك غسان..
باختصار كل ما لدينا الآن اقتباس، لغتنا وحياتنا نسق من الاقتباسات. نحاول أن نصبغ وجودنا بطابع الأبدية كلما انتهجنا سبيل الوصل والإكمال.
وصديقة لي اتخذت من القرطاس والقلم صولجانا، رمحا، ترسا وطريقة دفاع، تدفع بها أعتى ما يهدد الثقافة ويغرس الأفكار الصدئة في نعشها. وما أكثرها وما أعظم المُصاب الجلل..!
وهذه الأنا عاكفةٌ ترتب أنفاسها، تقترض من ظلمة الليل ما ينفخ الروحَ في جوف القلم، لتنعم بمولود النور صباحا..
وكأنني غرناطةٌ ثانيةٌ في انعزالها. لا بأس إن تمثّل بي وصف لوركا الجميل “إن غرناطة تقف على جبلها وحيدة منعزلة، ليس لها بحر ولا نهر، لا منفذ لها إلا من أعلى.. حيث السماء والنجوم” صوت الليل هنا بجناحيه، سماؤه ونجومه، مساحة التجلي الوحيدة التي أتطهر بها. فالكتابة تطهيرٌ كما آمن بها “أرسطو”. وأومنُ بها أنا.

Ati Sport