سفر حكواتي1: الربح الذي لا ينفذ

“في هذا الشهر الفضيل والذي نوزع ايامه ببين صيام وعمل وعبادة ولياليه بين لقاءات عائلية وقيام وتخشع، حينما نحتاج الى بعض الترفيه نتوجه نحو قنوات التلفزيون وتكثر الانتقادات ويزيد التشنج ماذا لو صنعنا ابطالا لحكاياتنا وسافرنا الى عوالم مختلفة من خلال حكايات وعبر؟

هديتي لكم كل فترة قصة من كتابي (حكايا وعبر) في فقرة جديدة هي “سفر حكواتي” طيلة ايام رمضان على مجلتكم ATI Mag  

للتذكير كتاب حكايا وعبر في اجزاء الف سنة 2013 وكان ينشر على صفحة مجلة سابقة على حلقات طيلة سنين

اتمنى لكم سفرا ممتعا

مع تحياتي “

بشرى شاكر- مديرة النشر

سفر حكواتي1: الربح الذي لا ينفذ

 في بلد من البلدان العربية وفي زمن غير هذا الزمان، كان هناك حاكم عادل يحبه الجميع ويغدق عليهم من نعمه ويجيب زوجته حينما تلومه لكونه يصرف يمينا وشمالا بقوله انه ليس مالي بل مال الله ولكل واحد من الرعية حق فيه.

هذا الملك العظيم كان سعيدا بحياته وبشعبه، ولكن كان ينقصه شيء وحيد كلما تذكره يحس بغصة في حلقه، فلم يكن له وريث ولم تنجب زوجته لا بنين ولا بنات وكان دائم الدعاء لله أن يرزقه ذرية صالحة تخلفه من بعده وترث ماله واسمه، و مرت السنين وحينما فقد الأمل، استجاب الله لدعائه وحبلت زوجته وأنجبت له طفلة لا يضاهي نور وجهها إلا نور القمر عند اكتماله.

أحبها الحاكم كثيرا وما كان يرفض لها طلبا، وكانت تلازمه كظله وتحتمي به إن أخطأت ورأت عقابا ينتظرها من أمها، فما كانت والدتها ولا أي شخص آخر، يستطيع أن يمسها بسوء، دللت بكل الألوان وزينت فساتينها بالزمرد والمرجان وصارت حلم كل الفتيان.

وحينما كبرت ونضجت وأصبحت في سن البلوغ بدأت ترافق أمها في بعض الأوقات من اليوم والحاكم لم يعد يكترث لأمر اختفائها كثيرا فقد كان يقول إنها أصبحت فتاة في سن الزواج والفتيات لهن أسرار في مثل هاته السن وأكيد تسر لأمها بما تستحي إخباره به.

ومرت الأيام وبدأ الخطاب يقصدون قصر الحاكم يطلبونها زوجة، وكان الحاكم متفقها عالما، يرى في عيون من يتقدم لخطبتها نظرات الوله بالجاه والسلطان فكان يرد طلبهم، وذات يوم جلست إليه زوجته وقالت له، إن ابنتنا تقترب من تجاوز سن الزواج وأنت ترفض كل من تقدم لها فهلا تركتها تجرب حظها مع من اختاره قلبها؟ فسألها وقال وهل تعرفين من تريده زوجا؟ فقالت له إنها ألمحت لها إلى الأمر، ودلته على احد العمال عنده فقال لها ولكن كيف يا زوجتي العزيزة وأنا حاكم البلاد أزوج ابنتي لعامل بسيط؟  فقالت له، هذا العامل البسيط لن يتجرأ ويظلمها أو يطمع في مالها وهو يعيش من نعمك وتحت إمرتك، زد على ذلك إنها تريده وهو يريدها.

فوافق الأب المحب لابنته وبارك زواجهما وأقام لهما عرسا تحاكت به ألسن العامة، ووصل صيته إلى البلدان المجاورة.

ومرت سنة وأنجبت ابنته فتاة جميلة، وكان والدها وأمها يزورانها في بيتها ويسعدان لرؤية السعادة تملأ هذا العش الهادئ ولكن الرياح لا تجري دائما بما تشتهي السفن، والأيام كما تأتي بالفرح فقد يكون بين طيات أقدارها حزن وألم، وبعد أيام السعادة القليلة، أصيب زوجها بمرض أقعده الفراش، وطالت أيام مرضه وهو لا يتماثل للشفاء وأبت ابنة الحاكم أن تترك بيتها وتعيش في قصر والدها الحاكم وطلبت منه أن يتركها ببيتها ترعاه وترعى طفلتها، فامتثل لرغبتها وأمدها بمال وفير وذهب كثير وقال لها بما انك لا تريدين العودة إلي القصر فهذا نصيب من مالك تعيلين به أسرتك إلى أن يأذن الله في أمرك وأمرها.

ومرت الأيام وأصيب الحاكم العجوز بوعكة صحية، ولم يعد بمقدرته أن يزور ابنته، فكان يكتفي ببعث رسول إليها يسألها عن حالها وعن حاجياتها فكانت تجيبه برسائل يحملها له، تخبره فيها إنها بخير وأنه لا ينقصها شيء هي وعائلتها وذات يوم أحس الحاكم بتحسن فقال لزوجته سوف اذهب لزيارة ابنتي الحبيبة، ولما ذهب إليها استقبلته أحسن استقبال ورحبت به وقدمت له أفضل الأكل ورأى لديها خدما وحشما، فاستغرب الأمر وسألها: أكل ما لديك من المال الذي تركته لك؟ أم أن زوجك استرد عافيته وعاد لعمله؟ فردت عليه قائلة: إن زوجي بدأ يتحسن وهو ينام ويرتاح الآن و =لكنه ليس بصحة تؤهله للعودة لعمله بعد، وما أعطيتني إياه ما كان ليبقى بعد غيابك عني وما كنت لأطلب المزيد بعد أن أغدقت علي وحالي من يسر إلى يسر والحمد لله.

فسألها والدها ولم تنته حيرته بعد: إذن من أين لك هذا؟ فقالت له يا أبتي ما أعطيتني إياه نفذ ولكن ما أعطتني والدتي، لم ينفذ بل يزيد.

فاستشاط الحاكم غضبا وإن كان قد كتمه ولم يعلنه لابنته وانتظر إلى حين عودته إلى قصره وأمر بحضور زوجته أمامه ولأول مرة تشعر بالخوف من نظراته الحادة، وسألته خيرا يا زوجي العزيز ما بأنفاسك تسابق كلماتك والأرض تهتز تحت ثقل خطواتك؟

فقال لها، ألا تعرفين لما؟ فأجابت لا يا زوجي وإن علمت ما سألت، فقال لها الحاكم، من أين لك ما تعطيه لابنتنا؟ ومنذ متى تأخذين مالا أو ذهبا من غير علمي وتعطيه لابنتنا؟ وهل تذخرين أموالا لا اعرفها؟

فردت الزوجة وهي تحس بخيبة الأمل لكون زوجها يشك فيها بعد كل هذا العمر الذي أمضياه معا، في ثقة مطلقة وقالت : سيدي أنا لا ادخر شيئا ولا املك فلسا غير ما تعطيني إياه ولا حليا إلا ما تراني البسه ويحزنني كلامك وتخترق قلبي سهام الشك في نظراتك، فهدأ الحاكم قليلا وسألها بصوت خافت كما لو كان يحدث نفسه وقال: إذن كيف تقول لي ابنتك حينما سألتها من أين لها الجاه الذي يبدو ببيتها وزوجها مقعد مريض ومعونتي لا يمكن أن تفي بكل ما لديها وما أراه عندها، كيف تقول لي: ما أعطيتني إياه يا والدي نفذ وما أهدتني أمي باق ويزيد كل يوم؟

فضحكت زوجته وقالت له: إذن الأمر هكذا؟ اسمع إذن يا سيدي، يوم كنت تدلل ابنتك و تغدق عليها الهدايا، كنت أنا انظر للمستقبل نظرة مختلفة وكأني كنت أحس بما يمكن أن يحصل معها يوما  ما، فكنت آخذها في وقت قيلولتك وأعلمها أشياء رأيت فيها نفعا دائما لا يزول، فعلمتها صنعة لا تموت، فتعلمت التطريز والحياكة وأشياء أخرى كانت تستمتع بها، وترى فيها هواية فجعلت منها حرفة حينما حصل لزوجها ما حصل والمال الذي أعطيتها إياه فتحت به مشغلا ومارست صنعتها لوحدها في بداية الأمر، ثم اتخذت مساعدات وهكذا توسع عملها إلى أن صار أكبر وأكبر بفضل الله وصارت في بحبوحة من الأمر ولكنها خافت أن تخبرك وأنت الذي دللتها طوال عمرها وكنت ترى في أي عمل صغير تقوم به تعب لها وتشفق عليها منه.

فصمت الحاكم بضع ثوان ثم قال: بارك الله فيك يا زوجتي العزيزة واغفري لي غضبي وحقا ما أعطيتها إياه قد نفذ وما أعطيتها أنت إياه لن ينفذ أبدا.

وهكذا يا أحبائي نرى إن زوجة الحاكم كانت أكثر ذكاء منه وساهمت في تسيير عائلتها لأنها تدري أن الدنيا لا تستمر على حال، وأن نتسلح بحرفة أو عمل دائم خيرا من أن يكون سلاحنا مال زائل أو جاه لا يدوم، بل إن في كل قرش يكون من ثمار عملنا أجر عظيم بل إن حتى اللقمة التي نصنعها بأيدينا خير لنا وأكثر أجرا من التي نقتنيها من غيرنا، فقد قال رسولنا الكريم:  “ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود صلى الله عليه وسلم كان يأكل من عمل يده” رواه البخاري…

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد