“في هذا الشهر الفضيل والذي نوزع ايامه ببين صيام وعمل وعبادة ولياليه بين لقاءات عائلية وقيام وتخشع، حينما نحتاج الى بعض الترفيه نتوجه نحو قنوات التلفزيون وتكثر الانتقادات ويزيد التشنج ماذا لو صنعنا ابطالا لحكاياتنا وسافرنا الى عوالم مختلفة من خلال حكايات وعبر؟
هديتي لكم كل فترة قصة من كتابي (حكايا وعبر) في فقرة جديدة هي “سفر حكواتي” طيلة ايام رمضان على مجلتكم ATI Mag
للتذكير كتاب حكايا وعبر في اجزاء الف سنة 2013 وكان ينشر على صفحة مجلة سابقة على حلقات طيلة سنين
اتمنى لكم سفرا ممتعا
مع تحياتي “
سفر حكواتي3- الثورة
ذات زمان سالف وفي مكان يعج بالخير الوارف، كانت هناك بلدة كبيرة معروفة بالخيرات الزراعية وأهلها يعملون على الفلاحة ويقتاتون مما ينتجونه ويبيعون محصولهم للبلدان المجاورة ويعيشون في بحبوحة من الأمر، فلديهم اكتفاء ذاتي، خصهم الله بنهر عظيم لا ينضب وحباهم بأمان لا يسلب فأصبحوا قوة لا تغلب…
مضى زمن وهذه البلاد تعيش بسعادة إلى أن توفي حاكمهم ليخلفه حاكم جديد، فرض الحاكم الجديد ضرائب كبيرة على مزارع الفلاحين، فباتوا بعد أن كانوا يصدرون بالكاد يقتاتون وحول مجرى نهرهم لبلد الجيران مقابل ولاء وسلطان وأشاع الخوف في قلوب السكان، صرخوا قليلا وصمتوا كثيرا، فاعتادوا الصمت والاستكانة وأصبح هو المارد القادر وقبلوا هم بالحكم الجائر…
بعضهم كان يتحدث فيحبس وآخر ببنت شفة لا ينبس…
مضت الأيام وأقفلت الأفواه بإحكام واعتاد الأهل على الصمت والاستسلام وبات هذا حالهم وعلل بعضهم وقال: ألا نأكل ونشرب فهل لنا غير ذلك مأرب؟؟؟
ولكن هل يكد المرء ويتعب فقط ليأكل ويشرب؟؟؟
كان هذا سؤال شاب في مقتبل العمر لأب أجابه أن الله أمر بالصبر ولكن الشاب أجاب ولكن يا أبتي كما أمرنا أن نصبر، أمرنا أن نفكر ونتدبر…
يا أبتي لا يغير الله قوما حتى يغيروا ما بأنفسهم، يا أبتي أما أن نخذل طوال العمر فيمضي بنا الدهر أو نثور حتى النصر….
أطرق الأب رأسه فابنه يتحدث بالصواب ولم يعد له ما يدلي به من جواب…
فأضاف الشاب قائلا يا أبتي، الم يقل الله تعالى: “وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ، وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ”
يا أبتي هذا قول الله تعالى، ونحن قد أصابنا البغي والجور ولم نعد نعيش في حبور ولا نعرف معنى للسرور…
ردد الأب “صدق الله العظيم” وخرج يفكر في كلام ابنه ورجاحة عقله، ثم ذهب يطرق باب كل فلاح ويعلمهم بيوم يجتمعون فيه وقال لهم: ابني يريد أن يحدثكم بما سكتنا عنه ولم نتكلم…
استجاب المزارعون للفلاح البسيط، وخرجوا يترقبون خطاب ابنه فلم يجدوه وحده بل كان كل الشبان قد انضموا لصفه، ردد الابن ما قاله لوالده فاحتشد الناس أكثر فأكثر وتوجه الجميع نحو قصر الحاكم يطالبون بحقهم واسترجاع نهرهم وإعفائهم من ضرائب قسمت ظهرهم…
سخر الحاكم منهم وأمرهم بالعودة لديارهم وسجن بعضهم لكن ذلك لم يزدهم إلا إصرار ولم يتحركوا بل وقفوا ثوارا…
فخاف الوزراء وفر الأمراء وبقي الحاكم وحده بين غضب هؤلاء ودم أراقه للشهداء…
خاف الحاكم وسألهم عن مطالبهم فخرج الشاب الذي بدأ الشرارة وقال نحن شعب عرف بالقوة والجدارة وكان دائما في الأوج والصدارة، نهبت أرضنا وسرقت نهرنا ومكنت منا جارنا، نريد حاكما منا، لا يجور علينا ولا يسرق قوتنا…
وهكذا صار الفلاح حاكما والحاكم الذي انتظر أن يقتلوه أو يسجنوه كما كان يفعل بهم وبات ينتظر حكمهم، حاكموه…ولكن ليس بما انتظر عاقبوه …
صار الحاكم مزارعا يروي الزرع ويسقي البساتين، بات يفهم ما كان يعانيه المساكين وكيف كان يمص دمهم عبر السنين ويلقي بجثث شهدائهم للشياطين….
هكذا تخلصت البلدة من حاكم مستبد وبات الكل مستعد ليعمل بكفاح وجد، لتغدو بلدتهم جنة وارفة لا فيها أم خائفة ولا قلوب فزعة واجفة، بل فقط سواعد على الإصلاح عاكفة….

Ati Sport