كل يوم حكاية، من كتاب “حكايا وعبر” تأليف بشرى شاكر، الحكاية الثانية: رحلة ايور ودروس الحياة

كل يوم حكاية، من كتاب “حكايا وعبر” تأليف بشرى شاكر، الحكاية الثانية: رحلة ايور ودروس الحياة

Ati Mag

في مكان ما من أراضي المملكة المغربية وتحديدا في احدى قرى جبال الاطلس المتوسط الشامخة، وفي نفس الدوار (القبيلة)، كان يعيش أخوان متجاوران، يكنان لبعضهما من الحب والود الكثير، ترعرعا وكبرا في نفس البيت، هما عبد العزيز وهو الابن الأكبر وعبد الرحمان ويصغره بسنة وبضع أشهر، لم ينجب والداهما غيرهما، فكانا مدللين لا ينقصهما شيء، كان والدهما يفتخر بكونه أنجب ولدين، ويتباهى أمام الحارة كلها بهما ويقول إنهما سيكونان سنده في كبره وعكازه في وهنه وسيحملان اسمه من بعده وبالأخص إن وهبهما الله الذرية الصالحة التي ترث الاسم والأرض.

كبر الشابان واشتد عودهما واصبح لكل منهما عمله وبيته، فقررا الزواج في نفس الوقت تلبية لرغبة والدهما، ولأنه كان يرغب بأن يظلا بجواره ولأنهما لم يعتادا على ان يبتعدا عن بعضهما البعض، فقد اختارا أن يسكنا قرب بعضهما البعض، فاشترى الأصغر عبد الرحمان منزلا مجاورا لبيت أخيه الأكبر عبد العزيز، الذي استقر في بيت العائلة بعد أن توفيت والدتهما وظل يعيش فيه رفقة والده الذي بلغ من العمر عتيا، وكان هذا الأمر ايضا باختيار والده، ومرت فترة على زواجهما، حملت زوجة الأخ البكر وأنجبت بعد تسع أشهر ابنا ذكرا اسمته حامدا، فهلل عبد العزيز وفرح وأحس بالزهو وانتشى فخرا لذلك تماما كما كان يفعل والده وهو يفخر وينتشي بابنيه الرجال، ولم تمض سوى بضع أشهر، الا وقد جاء دور يزة زوجة عبد الرحمان التي كانت حبلى بدورها، وبعد أشهر بدت لعبد الرحمن كالدهر وهو ينتظر بفارغ الصبر أن يرزق وزوجته بمولود أيضا، استجاب الله لدعواته وحصل حمل زوجته التي أنجبت بعد طول انتظار طفلة فائقة الجمال، يشع وجهها نورا مثل نور القمر وتضيئ ابتسامتها المكان، غير أن عبد الرحمن الذي كان يمني النفس بابن ذكر مثل أخيه وكما يتمنى والده العجوز، عوض أن  يشعر بالسعادة، لم يستطع ان يخفي حزنه وأسفه وهو ما أخبر به يزة زوجته قائلا: “كيف اخبر أخي بالخبر وأقول أن زوجتي أنجبت بنتا وهو من يتباهى دائما بابن سيحمل اسمه بعد عمر طويل، وكيف أخبر أبي وهو الذي ينتظر ذكرا اخر حفيدا ثان في العائلة؟”، شعرت يزة بالحزن ولكنها اخفت ذلك وقالت بهدوء وهي التي كانت فوق جمالها تتمتع بحكمة وفطنة: “يا زوجي وشريكي في كل شيء، ألا تحمد الله على ما أعطاك وكتبه من نصيبك، أما زلنا نعيش في عصر التمييز، أما انتهى  بعد عصر وأد البنات؟ الله لم يفرق بين العباد إلا بالتقوى، فما بالك تتشاءم مما منحك إياه؟  وما أدراك ما تحمله لنا هاته الصغيرة التي أحبطت في قلوبنا الفرح بقدومها؟”

استمع لها زوجها عبد الرحمان وشعر بالحرج لأنه عوض أن يحتوي زوجته ويفرح لفرحها، أشعرها بحزنه وعدم رضاه، فاستغفر الله وحضن طفلته الجميلة وشعر بحبها يتدفق في صدره ورق لها قلبه ولكنه لم يشاركها في اختيار اسمها لأنه كان رغم ابتسامته التي يوجهها لزوجته وكلماته الرقيقة ليطيب خاطرها، الا انه في قرارة نفسه، كان ما يزال مهموما حزينا، فاختارت يزة ان تسميها (ايور) وهو لفظ أمازيغي يعني القمر، وكانت فعلا ايور جزءا من القمر، تملأ المكان جمالا كلما كبرت…

الا أن الحكاية لم تنته هنا، فعبد الرحمان كان يعود أكثر كمدا وهما كلما حضر مجلسا رفقة أخيه، بالأخص حينما كان يراه يداعب ابنه حامدا ويكرر أمام الملأ انه سوف يحمل اسمه، حتى أصبح يتفادى احضار ابنته ايور لأي مجلس او مناسبة، رغم أنها كانت كلما نمت أكثر تتعلق به أكثر وتحب مرافقته اينما ذهب، بل إنه كان اذا جاءه ضيوف، يتحاشى مداعبة ابنته امامهم، رغم  اعتراض يزة زوجته، التي كانت تحاول تذكيره أنها ابنته وليس عليه ان يعاملها كأنها عار على عاتقه.

مرت فترة ليست بالطويلة، وأنجبت زوجة الأخ الأكبر عبد العزيز ابنا آخر، بينما أنجبت زوجة عبد الرحمان بنتا ثانية مرة اخرى، وهو الذي كان يمني النفس بطفل ذكر، فتشاءم أكثر فأكثر بينما تباهى الآخر أكثر فأكثر، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد بات السباق نحو الانجاب هاجس الاثنين، حيث استمرا ينافسان بعضا حتى أنجب الأكبر سبع أولاد ليس بينهم أنثى بينما أصبح لدى الأخ الأصغر سبع بنات، وهنت زوجته يزة وحزنت لأنها كانت ترضخ لرغباته بتكرار الانجاب، وقررت أن تبوح بثقل ما يجثم على صدرها، فجلست اليه وقالت له: “ماذا فعلت بنا يا رجل، ظللت تطلب الإنجاب لتحصل على ذكر مثل أخيك، وقد وهن جسمي وخر عظمي، ونحن لا نملك ما يملكه أخاك من مال لنعيل عائلتنا الكبيرة، عبد العزيز أوفر حظا منك في التجارة وأكثر غنى بفضل دعم والدك الذي يفضله لأبنائه الذكور والذي سامحه الله حرمك ماله لأنه يفكر مثلك في الابن الذكر، وها انت في كهولتك مضطر للعمل أكثر ونحن مضطرون للتقشف أكثر؟”

فعلا كان الأخ الأكبر عبد العزيز أكثر ثراء وكان يعلل ذلك بأن إنجاب الأولاد سبب رزقه حتى وإن كانوا صغارا بعد، بينما الواقع أن تجارته قائمة في قسطها الأكبر على دعم والده الذي يفكر أن ماله عليه ان يذهب لمن ينجب الذكور حتى لا يذهب لغير عائلتهم، وهذا الوضع جعل عبد الرحمان يصبح اكثر تشاءما، وحتى طبعه اصبح حادا، وكلما دخل بيته يلعن ويسب بدون سبب، ويزيد من حنقه على بنات لا ذنب لهن، كلام والده له، الذي كان يقول له مرارا، إن أخاه أفضل منه لأنه سوف يترك من يحمل اسمه من بعده أما هو فسيموت منسيا كما نسي من نصيبه في الدنيا.

كبر الأولاد وكبرت البنات، وزاد استهزاء الأخ الأكبر بأخيه في كل مناسبة يلتقيه فيها، سواء أكان في مجلس عام أو خاص، فإن وجده جالسا يناديه قائلا: “قم يا أب سبع قرحات واترك مكانك لأبي سبع فرحات” وهو يقصد بذلك انه والد الذكور وهم سبب الفرح واخاه والد القرح والمضرة أي البنات، فكان عبد الرحمان يعود لبيته كل مرة حزينا مهموما لا لشيء فقط لأنه أب البنات، فكانت في البداية زوجته يزة  تحاول مواساته وتهدئة روعه، ولكنها بعد مدة، ملت من مواساته كل مرة يعود فيها حزينا من لقاء أخيه، واستمر الحال لسنين، حتى كبر الأطفال فصاروا رجالا ونساء، ورغم أن كبرى بناته ايور لم تعرف يوما دلالا ولا ترفا ولم تحظ يوما بحنانه، فقد أصبحت هي من تواسي والدها وتخبره أنها إن شاء الله خير معين له وأنه ليس ذنبها أو ذنبه إن كان عمها وأخاه عديم شهامة ومروة وكان يهينه بأمر الله من أراده له، كان يستمع لها وهي التي ورثت الحكمة والفصاحة عن والدتها كما اخذت منها جمالها الاخاذ، فيشعر ببعض الراحة ويضمها لصدره ويطلب منها أن تسامحه وتصفح عن معاملته التي يفرغ بها غضبه، رغم انه في قرارة نفسه لم يستطع مطلقا التغلب على ما يشعر به كلما التقى اخاه أو سمع كلامه وسخريته، وكان لابنته كلما طلب منها الصفح جوابا واحدا، تردده وفي عينيها دموع تحاول اخفاءها كل مرة: “لا عليك يا أبتي، سوف يعرف عمي يوما أن عصر التمييز قد ولى وأن الله لا يرضيه ما يقوم به، سوف يفهم يوما أن الله يختار الإناث لمن يشاء والذكور لمن يشاء ولا فضل للإنسان في ذلك ولا اختيار له فيه”

كانت هاته الابنة البارة والذكية، تحاول ان ترفع بعض العبء عن والدها حتى لا يشعر بأنه بدون سند، فتذهب لمساعدته في الحقل كل صباح وتعمل وتكد مثل الرجال بل أكثر، بينما يفعل عكس ذلك أبناء العم الذي كان يتفاخر بهم، فكل لياليهم كانوا يقضونها في السهر واللهو وصباحهم يمضي إما في النوم او المرح والتسكع، وكان ابنه الأكبر أكثرهم لهوا وعبثا وإذا ما تلقى نصيحة من احدهم، كان يعلل ما يقوم به بكونهم ليسوا بحاجة للتعب والكد ما دام والدهم غنيا وحياتهم ميسورة ويملكون مالا وفيرا ومتاعا كثيرا وأن الانسان يجب ان يستمتع بما يملك… متناسيا أن الملك لله وحده وما يهبهم اياه اليوم قد يزول غدا.

أما الجد الذي كان يدعم ما يقوم به ابنه الأكبر عبد العزيز من تفاخر بأبنائه وسخرية من بنات اخيه وتنقيص منه بدون سبب، فقد تجرع مرارة افعاله وهو يرى نفسه مطرودا من بيت ابنه الأكبر المدلل والمفضل بعدما أفهمه بصريح العبارة أنه بات غير مرغوب فيه، فقد كثرت مصاريفه ولم يعد يستطيع الاعتناء به وتوفير احتياجاته فهو كذلك قد تقدم في العمر وبات بدون زوجة، متناسيا قوله تعالى في سورة الاسراء (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا، إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا)، ولكثرة ما ردد على مسامعه نفس العبارات، قرر الجد المغادرة حفاظا على ما تبقى من كرامته، فلم يجد مكانا يذهب اليه غير بيت ابنه الأصغر الذي ورغم ضيق ذات اليد وقلة موارده، استقبله بكل فرح وحب، وكانت أكثر البنات فرحا بقدومه، حفيدته الكبرى ايور، التي استقبلته بود كبير رغم أنه لم يقابلها بمثله يوما ولم يحملها مثلما يفعل الاجداد مع الاحفاد يوما ولم يداعبها كطفلة، ولكنها كانت له مواسية، ولملمت جراحه بابتسامتها المنيرة وغمرته بحنيتها وعطفها، حتى أنه لم يستطع ان يكبح غمار دموعه، وبكى وهو يطلب منها الصفح والغفران وقال لها: “من كنت افتخر بهم واعتز بكونهم رجالا طردوني من بيتهم وعاملوني بإذلال، وأنت يا ابنتي يا من كنت أعير أباك بك، ولم اعاملك يوما معاملة الجد لحفيدته، حتى أني لم احضر لك يوما هدية أو لعبة، ولم أحضر لك مناسبة، ولم ابتسم في وجهك ولم اكن أزور والدك لأنه أب البنات كما كنا نسميه، ها أنت تقومين برعايتي وتقدمين لي عطفك وحنانك، على الرغم من كل ما قاسيته مني، فلم أكن يوما ذلك الجد الذي يحمل حفيدته ويداعبها، جعلتك تعتمدين على نفسك في كل شيء وتعيشين حياة شاقة وقاسية، حتى أني وهبت مسكني لابني الأكبر وساعدته في عمله ولم أفعل مثل ذلك مع والدك، رغم حاجته، أشعر بالحرج الكثير وأنا ارى الفرق بين معاملتي لك وكيف تعاملينني الان”، غير أن ايور،  ربتت على كتف جدها وأخبرته بكل رقة، أنها سامحته لأنها تحبه وتحترمه، ولكنها لم تنس أبدا تلك النظرة الحزينة والمنكسرة في عيني والدها وذلك الحزن الذي كان يخيم على والدتها، ولذلك قررت أن تظهر للجميع أنه لا فرق بين انجاب الذكر والأنثى وسيعرفون عما تتحدث قريبا جدا، تركت جدها في حيرته، ولم تجب على الاستفسار المليء بالدهشة الذي كان يرتسم في عينيه..

وبعد يومين من هذا اللقاء الذي جمع بين اللوم والبوح والمصالحة،  قالت ايور لوالدها، أنها تريد ان تحدثه في أمر مهم، فطلب منها والدها رغم فضوله لمعرفة كنه ما تريد، أن تنتظر عودته مساء من السوق وألا تنام حتى يعود، فوعدته بذلك، وهكذا كان، فقط عاد والدها بعدما باع بضاعته ومحصوله واقتنى حاجيات بيته وبناته ولم ينس أن يحضر لوالده بعض الملابس والاشياء التي سوف تلزمه خاصة أنه ترك بيت الابن الأكبر وفي غمرة حزنه لم يحمل أيا من اغراضه معه،

بعدما جلس الى والده واطمئن عليه ووضع أمام زوجته يزة، ما اشتراه واطمأن على بناته، عاد ليجد ايور بانتظاره، فأخبرها أنه كله اذان صاغية وطلب منها أن تخبره بما تريده منه، غير أنها سّألته ان كان جدها مازال مستيقظا، فأجابها بالإيجاب، فطلبت ان تخبره في حضوره، استغرب قليلا ولكنه امتثل لطلبها، واستأذن من والده الذي كان يحمل سبحته في يده ويجلس في ركنه يسبح ويستغفر، أن يدخل واياها لغرفته، فأذن لهما، وجلسا قربه، وانتظر الاثنان أن تبدأ بالحديث، فقالت: “جدي العزيز وأبي الغالي، اعرف انه لا احقية لي في القرار لنفسي قبل أن استأذنكما وكذلك والدتي ولكني أعلم أنك يا ابي تعرف مدى نضجي وكم جديتي وأني أفكر مليا قبل أن اقوم بأي عمل، كان والدها وجدها يستمعان وقد انتابهما الفضول أكثر واعتراهما بعض الخوف كذلك ولكنهما لم يقاطعاها، فاستطردت قائلة: “أريدك يا أبي بعد اذنكما، أن تذهب عند عمي صباح الغد حينما تفرغ من عملك، وتخبره أني أريده أن يبعث ابنه معي، لكي نذهب في رحلة للقرى البعيدة حيث يمكننا ان ننمي تجارتنا ونتعلم حرفا جديدة ونخلق لنا زبائن أكثر”، لم يعرف والدها المغزى من طلبها ولكنه لم يستطع الا أن يرضخ لطلبها أمام إلحاحها الكبير، وأمام نظراتها الواثقة من قرارها، واقنع والدتها التي ما أن سمعت طلبها الغريب صباحا حتى بدأت تبكي وتصرخ وتطلب منه ألا يذعن لها، غير أنه أخبرها أنه يثق بها وأنها لم تخذله أبدا منذ أن بدأ يعتمد عليها في أمور كثيرة، وبالفعل ما أن أنهى عمله حتى قام بزيارة اخيه عبد العزيز في متجره وأخبره بطلب ابنته ايور، فسخر أخوه منه كما العادة وقال: “ما هذا الطلب الغريب؟ ولكن لا مانع لدي من أن ألبي طلبها رغم غرابته، فأنا اثق بابني كثيرا فهو رجل وأكيد سوف يكون أوفر حظا وان نالكم من بعض حظه فلا مانع لدي” وأكمل حديثه بقهقهة كبيرة وهو يقول “ايور تريد ان تصبح رجلا رغما عن الكل ولكنها ستظل انثى وستبقى أب البنات او السبع قرحات ولكن، فلأبعثه معها ونرى ما الذي سيحصل؟”

وهكذا كان، فقد اتفقا على موعد، وزود أب حامد ابنه بما لذ وطاب وأثقله بالهدايا والعطايا وبعض النماذج من الأثواب التي كان يتاجر فيها، بينما كان زاد ايور، قرآنا ودعاء والدتها التي فارقتها بدموع منهمرة وبعض المؤونة والماء للطريق ليس الا وحتى حينما رغب والدها ان يعطيها بعض النقود التي قد تحتاج لها وبعض الزاد، استكثرته على نفسها وفكرت في أن اخواتها أحق به منها، وطمأنته عليها، ثم شدا الرحال معا، وهكذا بدأت رحلة حامد الابن البكر لأكبر الاخوين وايور البنت البكر لأصغرهما، سلكا معا نفس الطريق، فكان حامدا يغني ويترنم طوال الطريق او يحكي حكايات كثيرة عن مغامراته وسهراته، وكانت ايور صامتة طوال الطريق، لم تنطق بكلمة، أحيانا تكرر بهمس بعض الأدعية، مرت مدة من الزمن وهما على هذا الحال يمشيان جنبا الى جنب، ثم اخبرها حامد بتعبه واقترح عليها أن يتوقفا قليلا ليحظيا بقسط من الراحة، فأذعنت لطلبه ولكنها أخبرته ببعض القسوة :”لو انك لم تهدر طاقتك فيما لا ينفع وصمت قليلا، لما شعرت بالتعب بسرعة ولما اضطرينا أن نتوقف ونحن بعد في منتصف الطريق نحو أقرب قرية”، وكانت سترفض طلبه ولكنها رضخت بعدما رأت حالته وبدا التعب الشديد على محياه، فجلسا قليلا تحت ظل شجرة، وأكلا وشربا كل مما حمله، فكان هو يحمل الكثير من المؤونة والماء، وهي تحمل القليل فقط، ولكنه تناول نصفه وشرب معظم الماء ولم يمدها بشيء مما لديه، ورغم قلة ما تحمله ايور، الا انها كانت قد قسمت ما لديها إلى حصص متساوية، سواء من الزاد او الماء مدركة صعوبة الرحلة وما قد تخفيه الطريق، قاما معا ليكملا المسير، ورغم أنهما قضيا وقتا كافيا للراحة، إلا أن علامات التعب والإعياء بدت بارزة على وجه الشاب حامد، ظلا يمشيان ويستريحان كلما سنحت الفرصة لذلك، حتى وصلا مفترق طريق، فطلب منها أن يتوقفا قليلا مرة أخرى، وأراد أن يمد يده لقربة ماءه فوجدها فارغة، بينما تناولت بعض جرعات من قربتها، فبدأ يرجوها أن تسقيه قليلا من الماء، فاستجابت ولكن ليس قبل أن توبخه وتخبره بأنه شخص مستهتر ولا يحسب للزمن أي حساب.

بعد أن روى ظمأه أخبرته قائلة: “هنا يجب أن نفترق يا ابن عمي، فاختر أي طريق تريد أن تذهب منه، وأنا سأذهب من الطريق الاخر، فقال لها ولم علينا أن نفترق؟، أجابته بأنه حتى إن ضل احدهما  ولم يغنم في رحلته، فعلى الأقل يظل لدى أحدهما ما يعيل به نفسه والآخر، فوافق بعد أن أقنعته بذلك وقالت له مبتسمة: “بما انك رجل والرجال قوامون على النساء، فساترك لك حق الاختيار، فأي طريق تسلك؟”

أجابها بعنفوان: “وأي طريق تريديني أن أسلك؟ طبعا هذا الطريق السهل المنبسط…”

فأجابته هي قائلة: أنا سأسلك هذا الطريق الوعر مثلي مثل هؤلاء الناس الذين يمشون فيه ويمتطون دوابهم.”

فسخر منها حامد قائلا: “أتتركين هذا الطريق السالك، لتلحقي براكبي الحمير؟ إنك حقا لحمقاء… صحيح أنك امرأة…”

فأوقفته بأدب وقالت له: “أشكرك يا ابن عمي على ملاحظتك، لا تستطرد فتقول ما قد تندم عليه، حسنا سنلتقي هنا بعد سنة من الآن ان شاء الله، ان وافقت طبعا، استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه.”

لم تنتظر رده واستدارت لتمشي في طريقها، بينما توجه هو ليسلك الطريق السهل الذي لا يمشي فيه غيره، ظل حامد كل الطريق يبحث عن شخص يحدثه أو مسكن يلجأ إليه ليختبأ من لهيب الشمس المحرقة أو حتى شخص يعطيه جرعة ماء تروي ظمأه، ولكنه لم يجد..

في نفس الوقت كانت ايور قد التقت امرأة وزوجها يمتطيان حمارين، أشفقا على حالها وتركا لها واحدا واستطردا في الحديث في الطريق، واخبراها أنهما نادرا ما يتركان بلدتهما ولكنهما كانا في واجب عزاء لأهل قريب توفي، وبعدما روت لهما حكايتها، بدءا بدورهما يحدثانها عن بلدتهما وعن جمالها رغم صعوبة المسالك المؤدية لها ولكن في نهايتها جنائن وحدائق غناء وحاكم عادل يوفي لكي ذي حق حقه، فرجتهما ايور أن يأخذانها للعمل عنده إن كان لها مكان هناك، فوافقا بعد تردد فهي فتاة جميلة وجسمها الرقيق لن يتحمل عناء العمل ولكن أمام إصرارها وافقا على طلبها، قالت السيدة: “أنا اطبخ في بيته، فسآخذك إليه وأتوسط لك عنده في عمل لا يرهقك وقد تساعديني في المطبخ، فبسبب السن والتعب بت فعلا بحاجة لمن يساعدني.”

بلغ حامد ذروة يأسه قبل أن يلمح قرية صغيرة، استجمع قواه وذهب إليها، فوجد أهلها أناس لا يؤمنون بمعنى إكرام الضيف، بل طالبوه بأن يعمل بلقمته منذ الوهلة الأولى، فلم يجد بدا من أن يفعل، رغم انه أمضى حياته كلها في رغد ونعيم، ولم يكن يوما ممن يفكرون في العمل يوما من أجل لقمة العيش وبدأ يندم لأنه جارى والده في قبول عرض ابنة عمه. بدأ العمل فعلا مرغما لا بطلا، فلم يستطع أن يبقى ساعة واحدة تحت لفح الشمس حتى أغمي عليه، وحينما استفاق، وجد من جعلوه يعمل لديهم يلعنون اليوم الذي رأوه فيه وطلبوا منه المغادرة فورا وأخبروه أنهم لا يتوفرون على ملجئ خيري، فغادر وبينما هو يمشي في طريقه، لمح مقهى صغير، فاستبشر خيرا وقال في قرارة نفسه، انه سوف يسألهم العمل لديهم، فسيكون أهون بالتأكيد من العمل في الحقول، فعلا وجد لدى مالكيه قابلية استخدامه، فجعلاه يعمل لديهم مقابل مبيته وأكله وبضع دراهم زهيدة، واستمر يعمل بلقمته وما يكسبهّ، ولكن حصل أن انجذب مرة ّاخرى نحو المحظور، فقد كان هناك بالمقهى ركن مخصص للقمار والميسر ولأنه اعتاد على اللهو واللعب في قريته رفقة شباب طائش في مثل سنه، فقد وجد ضالته على طاولة القمار فبدأ يتقاضى أجره صباحا على قلته، الا أنه كان يبذره ليلا على تلك الطاولة الملعونة، وقد شجعه على ذلك مبلغ بسيط جناه من لعب الميسر في البداية، تلته خسائر كثيرة متوالية ومتلاحقة وكانت النتيجة دين كبير لم يستطع سداده، فاستقر به الأمر في سجن بلدة لا يعرف فيها أحدا وليس له فيها صديقا… وحيدا بين الأسوار يقضي عقوبته الزجرية.

في ذلك الوقت كانت ايور قد بدأت العمل في بيت الحاكم الذي لم يرفض للسيدة العجوز طلبها وأكد لها أنه يعي جدا حاجتها لمساعدة، ولكن لا أحد وصل بلدتهم ليكون لها عونا وطالما احضرت معها من سيقوم بذلك فلها ذلك، وأخبرها أنه من الجيد أنها احضرتها في هذا الوقت لأنه ذاهب لرحلة قد تستغرق بضع أشهر ولكن وزيره سوف يتكفل بالأجور وما يحتاجونه الى حين عودته، وهكذا استطاعت ايور الحصول على عمل دون رؤية الحاكم الذي كان يستعد للسفر وغادر مسرعا، واشتغلت ايور بالفعل في مطبخ قصره كمساعدة للسيدة فاطمة، تلك المرأة الطيبة التي وجدتها على الطريق ولم تتخل عنها وعاملتها معالمة الأم لابنتها، وكانت تعمل وتدخر مالها ولا تصرف من أجرتها شيئا، وتقول أنه طالما وجدت لها مأكلا ومشربا ومكانا تأوي اليه، فالأفضل أن توفر اجرتها، ربما تستطيع استثمارها لاحقا.

ذات يوم جلست ايور في كرسي في شرفة المطبخ كما عادتها حينما كانت تنهي عملها ولمحت بعض أزهار ذابلة في الحديقة واستأذنت أن تخرج لتمشي قليلا، فأذنت لها الخالة فاطمة، فخرجت تمشي في حديقة فسيحة لكنها بدون روح، ازهار ذابلة، واعشاب متطفلة، ومساحة شاسعة ليس بها لا زرع ولا نبات، فقط تربة حمراء تميل للسواد، عادت من جولتها وولجت المطبخ وسألت الخالة فاطمة قائلة: “لقد عملت بالحقول رفقة والدي كثيرا، واكاد اجزم أن تربة هاته الحديقة أكثر تربة خصوبة يمكن أن أراها وألمسها، فما بال هاته الحديقة لا حياة فيها وأنتم تتوفرون على الماء للسقي وحتى السماء لا تبخل عليكم بأمطارها؟” فأجابتها السيدة قائلة: “ايور يا ابنتي، كان هناك رجل مسن يعمل بالحديقة وكانت فعلا جنة مصغرة بهية المنظر في هذا القصر الفسيح، ولكن بعد وفاته، لم نجد شخصا يعوضه، فلصعوبة المسالك للقدوم إلى هنا لا يأتي أي شاب لزيارتنا للعمل، وحتى أنت لو لم نصادفك في طريقنا واحضرناك معنا، ما كنت وجدت من يساعدني في المطبخ”، فهمت ايور الأمر، وأخبرت الخالة أنها عقدت العزم على أن تعيد الحياة للحديقة وسوف تستعين بما تعلمته من اصول الفلاحة من ابيها ومن عملها في الحقول، لم تجد الخالة داع للوقوف أمام مشاريعها فيما يتعلق بالحديقة، لأن ما رأته من عزم واقدام في نظراتها وفرح بما يمكن أن تقوم به كان أكبر من أي كلام، وهكذا شمرت ايور على ساعديها وبدأت بتقليب الأرض، ثم سمدتها، واستعانت بما تعلمت لتزرع في جزء منها خضراوات وفي الجزء القريب من القصر زهورا جميلة بألوان مختلفة، تنوعت بين ياسمين وأقحوان وغيرها، واستمرت تعتني بها بين تشذيب وتخليصها من الطفيليات وريها يوميا، وكانت تقوم بذلك بكل فرح وكأنها وهي تراها تينع أمامها تسترجع معها الحياة بدورها، وبعد بضع أشهر من الاعتناء المستمر، عادت الحياة للحديقة ونمت الزهور وأضفت جمالية على المكان ككل وبدأت الخضر والفواكه تنضج، وأصبحت الخالة في المطبخ تستغل المحصول عوض اقتناء ما تحتاجه من الضياع المجاورة.

وبعد رحلة طويلة استمرت لأشهر، عاد الحاكم أخيرا الى قصره وبلدته، وترجل من على صهوة فرسه ودخل قصره لينال قسطا من الراحة بعد حمام مستحق، وحينما استيقظ وقد كان الوقت قد اقترب على العصر، طلب من الخالة فاطمة قهوة يحتسيها أمام حديقته، التي لم يعد ينتبه لها لكون مظهرها أصبح حزينا، ولكن الأمر اختلف هاته المرة، فما أن رفع عينيه لينظر من خلال زجاج يفصل مكانه المفضل للجلوس وحديقته، استغرب وهو يرى الألوان تكسو الحديقة، والحياة تعود لها من جديد، ترك القهوة التي لم يرتشف منها سوى جرعة واحدة وخرج مسرعا للحديقة، تجول عبرها وكأنه في حلم، أزهار جميلة في كل مكان وفواكه وخضر وعبق الياسمين، حث الخطى نحو المطبخ ودخله سريعا حتى اخافت نظراته الخالة وهي تراه يدخل بخطى سريعة، فسألته عما يمكنها أن تخدمه به، فقال: “الحديقة”، صمت برهة، ثم استطرد: “من فعل بحديقتي هذا؟”، توجست الخالة قليلا وتساءلت، أغضب ما تراه في عينيه لأن احدهم استغل حديقته أو فرح؟ لم تفكر كثيرا فقد أكمل حديثه قائلا: “من أحال حديقة القصر لجنة صغيرة؟  من فعل بها هذا وفي هذا الوقت الوجيز، وكأنه سحر؟”، فأخبرته الخالة فاطمة بكل شيء وكيف أن ايور التي اشتغلت قبل حوالي سنة الا قليلا كمساعدة لها، هي من قامت برعايتها بدءا من تقليب الأرض وتحضيرها لزرعها والاهتمام بها يوميا، استغرب الحاكم وتمتم بكلمات قائلا: ‘اعتقدت من قام بذلك رجلاّ،’ رددت الخالة باستحياء: “بل هي ايور يا سيدي”، طلب الحاكم رؤية هاته الفتاة وطلب من الخالة أن تبعثها حالما تصل الى بهو القصر المخصص للاستقبال، وكان كذلك، ما ان حضرت ايور للمطبخ وبدأت في ارتداء وزرتها الخاصة لتنظف بعض الأواني، حتى اخبرتها الخالة فاطمة بعودة الحاكم، وبأنه لاحظ ما حصل لحديقة قصره وسأل عمن فعل هذا فأخبرته عنها وبأنه طلب اللقاء بها في بهو القصر، شعرت ايور ببعض الخوف، فالخالة لم تخبرها هل كان فرحا بما حصل او على عكس ذلك لم يستسغ ما قامت به دون إذنه، الا انها وضعت وزرتها وتوجهت لغرفتها وارتدت فستانا نظيفا جميلا كانت قد خاطته لنفسها بعما اهدتها الخالة احد الاثواب التي قالت انها ليست بحاجته وأنها لا تعتقد انه يناسب عمرها، فما كان بإمكانها الذهاب لمقابلة الحاكم لأول مرة بثياب العمل، فحتى وان ترعرعت في بيت متواضع، الا انها تعلمت من والدتها يزة ومن حكاياتها، حسن التعامل والسلوك الراقي، ذهبت ايور بخطى بين المتثاقلة وبين الواثقة، لمقابلة الحاكم وطلبت من وزيره أن يسمح لها بالدخول للبهو الذي يستقبل فيه الحاكم ضيوفه نزولا على طلبه، فأخبرها أنه على علم بطلبه، وسألها اللحاق به، دخلت قاعة فسيحة أنيقة، جدرانها مزينة بالفسيفساء المغربية وسقفها من رخام، تدلت منه الثريات الجميلة، أما الاثاث، فقد كان أنيقا وبسيطا في نفس الوقت ينم عن ذوق ملكي رفيع، كان الحاكم في اخر القاعة يدير ظهره للباب وينظر من الزجاج نحو الحديقة،  طلب منها الاقتراب، قبل أن يستدير ليقابل أجمل وجه رآه في حياته وقد كان ينتظر امرأة اكبر سنا واقسى ملامحا بعدما كان يعتقد في البداية أن من غير حديقته بهذا الشكل كان رجلا، بادرت بالحديث بعدما تلعثمت قليلا وهي تراه صامتا يطيل التحديق بها، فقالت بحياء وصوت خافت: “سيدي الحاكم، بقدر ما أنا سعيدة باللقاء بك والتعرف عليك لأنه لم تتح لي الفرصة من قبل لأشكرك على قبولك عملي لديك رغم اني غريبة عنكم، بقدر ما اشعر بالحرج وأود الاعتذار لكم يا سيدي، لأني تجرأت واستغليت حديقتكم دون مشورتكم، فحتى وإن حمل ذلك نية طيبة مني، ولكن ما كان يجب
أن اقترب لما لا أملكه دون مشورتكم “

بقي الحاكم صامتا مشدوها لحديثها ورقتها، فشعرت ايور بالخوف من ردة فعله ولم تجد بدا الا أن تسأله العفو مرة ثانية، مضت برهة من الزمن قبل أن يتحدث ولكن حديثا داخليا كان يسري بداخله، فقد كان يخالها امرأة قوية صلبة تشبه الرجال شكلا، فوجد فتاة رقيقة جميلة مختلفة تماما عن الصورة التي رسمها لها في مخيلته.

أجابها بعد أن استيقظ من دهشته قائلا: “بل أنا الذي أشكرك يا سيدتي، وأسألك أن تقبلي الاستقرار في هذا المكان الذي وإن كان بعيدا، إلا انه يضم أناسا طيبون وأشخاصا يكنون الحب لبعضهم البعض كما قد لمست بنفسك، وكل شيء متوفر هنا ولن نبخل عليك بالأجر الوفير ولك مني وعد بأن أجعلك مشرفة على كل ما يتعلق بالنباتات والمزارع وحتى زينة القصر، فقد لمست فيك حسا فنيا جميلا، تزينين كل مكان تلمسينه، حتى أني استغربت كيف علمت أن الياسمين زهرتي المفضلة فزرعت منها الكثير بجوار القصر”.

أجابت ايور بنفس الاستحياء: “من ذا لا يحب الياسمين يا سيدي وهي ملكة الزهور واكيد حاكم مثلك يا سيدي سيكون له ذوق ملكي، صمتت قليلا ثم استطردت قائلة: “ولكني يا سيدي لا استطيع البقاء رغم أني الفت المكان وأحببت أصحابه، فقد انتهت مهلة السنة التي وعدت بها ابن عمي بالعودة حيث افترقنا، كما أن اهلي اكيد ينتظرون عودتي بفارغ الصبر وقد اشتقت لهم كذلك”

تمتم الحاكم بكلمات خافتة، فسألته الفتاة قائلة: عفوا يا سيدي ما الذي تقوله؟ فرد قائلا: “أظن أن هناك من ينتظرك في مكان ما، وقد ظننتك وحيدة، ففكرت لبرهة انه ربما يكون لك مكان دائم بيننا، أما وأنت قد وعدت ابن عمتك بالعودة، فأكيد ما بينكما أقوى من رغبة البقاء هنا”

وكأن ايور فهمت ما يرمي اليه، وحاولت سريعا ان تصحح فهمه للموضوع، وقالت وهي تنظر لهذا الحاكم النبيل وكأنها تراه أول مرة: “إن من ينتظرني هو ابن عمي ولا يمكن أن اتركه ينتظر أكثر ولكن الحكاية ليست كما قد تظنها يا سيدي”، ثم روت له كل الحكاية، منذ بدايتها والتمييز بين والدها واخيه لأن الله وهبه الاناث فقط، مرورا بأيام تداولت متشابهة حتى أينع عودها وكيف فكرت في هاته الرحلة التي قد تكون سببا في تغيير طريقة تفكير عمها وجدها وحتى أبيها، كما اسرت له، انها ايضا كانت تريد ان تجمع بعض النقود لمساعدة والدها الكهل.

ازداد الحاكم اعجابا بها، فهي لم تكن فتاة جميلة خلقا وخلقا فقط، وانما كانت فتاة مكافحة ومغامرة وتفكر في أهلها قبل نفسها، حتى أنها من اجلهم خاضت غمار رحلة غير محسوبة العواقب.

قال الحاكم بعد سماعها بدون تردد: “هل تقبلين بي زوجا، لن أمنعك من الالتحاق بأهلك وابن عمك، ولكني أكيد لن أترك جوهرة مثلك تذهب دون أن أجرب حظي، إن قبلت، سأرافقك ومعي بعض من موظفي القصر وحتى الخالة فاطمة حتى نلتقي ابن عمك حامدا ثم نتوجه جميعنا الى قريتكم وأزور أهلك وأطلب يدك منهم، هذا ان وافقت طبعا”

اجابت ايور باستحياء: “سيدي، إنه لشرف لأي فتاة أن ترتبط بكم، وما سمعت عنكم الا كل خير، وأن تختارني دون غيري لفخر لي ولكن ليس لي رد قبل مشورة أبي وأمي”

أخبرها الحاكم أنه سيرافقها اذن إلى أهلها ومعه كما أسلف بعض الأعيان وموظفي القصر حتى تشعر بالأمان أكثر وحينما تلتقي بابن عمها، يذهبون جميعا لأهلها وهناك يتبين أمرهما.

وهكذا كان، فقد شدا الرحال وبمعيتهم اعيان وموظفين من القصر وحتى الخالة فاطمة أبت هي وزوجها الا أن يكونا رفيقين لهم في هاته الرحلة تماما كما بدأت رحلتها نحو بلدتهم برفقتهما، بعد يومين من الترحال تخللتها فترات راحة، وصلوا لمفترق الطريق حيث وعدت بانتظار حامدا ابن عمها، ومرت ساعات من الانتظار ولم يظهر له أدنى أثر، فشعرت بالخوف يتملكها وببعض الذنب وهي تفكر أنه ربما بسبب فكرتها بتجربة الرحلة هاته، قد يكون ابن عمها تعرض لمكروه ما، أسرت بذلك للحاكم، الذي طمأنها وطلب منها ان تهدأ وأمر ببناء خيمتين كبيرتين للمبيت حتى الصباح، لاسيما وأن الوقت تأخر وملامح الليل بدأت تتجلى.

عند بزوغ شمس الغد، استيقظت الى جانب الخالة فاطمة وان كانت في الواقع لم تنم الا قليلا، فصورة ابن عمها حامدا، كانت توقظها كلما شعرت بالنعاس، حتى وإن لم يعاملها بشكل جيد طوال حياتهما ولكنه يظل من دمها ويظل من أهلها، ما أن خرجت لترى البقية، حتى لمحت بعض السيارة في الطريق الذي كان قد سلكه ابن عمها، فذهبت راكضة لخيمة الحاكم، تستأذن وزيره في رؤيته لأمر ملح، فخرج سريعا وكان قد انتهى من ارتداء ملابسه ويستعد للخروج لامتطاء صهوة حصانه، وجدها تنتظره، فنظر اليها بنظرة تساءل وقبل ان يتكلم بادرت ايور قائلة، أنها تستأذنه في سؤال المارة الذين رأتهم يمشون في الطريق الذي سلكه ابن عمها، وهكذا كان، فقد أمر الحاكم وزيره بإيقاف الاشخاص الذين يتوجهون في طريقهم الى حيث ذهب حامد، ففعل، ونادى عليهم واتوه مسرعين حينما رءوا فخامة القافلة وفهموا أنها لحاكم معروف، أذن لها بسؤالهم بعدما أوضح لهم الأمر، فسألتهم عنه ولكن لم يتعرف عليه احد باسمه، فقامت بوصفه لهم، ومع ذلك لم يتعرفوا عليه، حتى نطق طفل صغير قائلا لأبيه: “يا ابتي ربما تعني الشاب الذي كان يعمل في المقهى فقد سمعتهم ونحن هناك ينادون عليه باسم حامد”، فتذكره والده وقال له: “أجل أجل، ولكنه شاب مستهتر، كان يقامر بأجرته كل يوم حتى استنزف ما لديه وأصبح مدينا للجميع، ولم يستطع تسديد دينه وعلى ما أعتقد لقد اودع سجن البلدة”، فسألته ايور إن كان يمكنه ان يدلهم على البلدة والمقهى، فأومأ بالإيجاب واخبرهم انهم سوف يسلكون نفس الطريق وسيمرون قرب المقهى وهناك يمكنهم أن يسالوا صاحبها، فرافقتهم برفقة الحاكم والبقية، حتى  وصلوا المقهى المعلوم، فأمرها الحاكم بوضع خمار على وجهها وتركه يسأل عن حامد عوضا عنها، وحينما رأى صاحب المقهى هيئته وتعرف عليه اعتقد ان حامدا قد نصب له فخا بدوره أو مدين له بدين، فأخبره الحاكم إنه يبحث عنه لأمر اخر، وأنه سيسدد دينه كاملا شريطة أن يطلق سراحه، فوافق صاحب المقهى وقال إنه سوف يخبر القاضي بطلبه ولا يعتقد انه سيرفض الأمر طالما سيعيد لكل صاحب حق حقه وسيدفع كفالة المسجون، وخلال ساعات بين مفاوضات واجراءات، أصبح حامدا حرا طليقا وخرج نحوهم لشكرهم وكان في حالة يرثى لها ولم يتعرف على ايور التي كانت تتخفى خلف خمار وترتدي فستانا حريريا جميلا، وبحث عن وجه مألوف بين القافلة التي تمشي على رأسها هي والحاكم وحينما فشل على التعرف على أي منهم، اتجه صوبهم ليشكرهم، معتقدا أن الحاكم فاعل خير أنقذه صدقة ومعروفا، وقرر أن يطلب منه معروفااخيرا وهو أن يقله الى حيث تنتظره ابنة عمه ايور فقد تأخر عن موعده،  لكنه يأمل أنها ما زالت تنتظره او بعثت له من يحضره، فأومأ لها الحاكم، فرفعت النقاب عن وجهها وقالت له: “لست بحاجة للذهاب لموعدك يا ابن عمي، ها قد اتيت اليك بنفسي”، كاد يغمى عليه وهو يراها بكل هذا الجمال والروعة وبكل هاته الأناقة والترف الباديين عليها، فقدمت له الحاكم وأمرت له بركوب وعادا إلى أهليهما، فوجدت أمها وأبيها وكل أهلها في شوق عارم لها ولم يصدقا أعينهم وهم يرونها قادمة مبتهجة وأنيقة، ولم ينتبهوا للحاكم ولا لمن معه، فقد كانوا منشغلين بعناقها وتقبيلها وامتزجت أصوات الفرح بدموع اللقاء، بينما لم يتعرف الأخ الأكبر على ابنه لأنه صار هزيلا، شاحبا، يبدو اكبر من سنه، نبهت ايور أهلها الى ضيوفها، فقام والدها عبد الرحمن بالاعتذار لأنه لم يرحب بهم في البداية، فتفهم الحاكم ذلك وأجاب بابتسامة قائلا: “لا عليك يا سيدي انها فرحة اللقاء”، وطلب منه والدها أن يدخل ومن معه لبهو بيته المتواضع بينما قال عبد العزيز له: “بل دعهم يدخلون بيتي، فهو فسيح ومريح أكثر”، فقاطعه حامد وقال: “بل يا ابتي، دعنا كلنا نجتمع عند بيت عمي عبد الرحمان، ففي بيته نشأت فتاة أكثر شهامة ونبلا من ابنك واكثر قوة من رجال كثر”، استغرب والده ولكنه رافق الجميع الى داخل بيت عبد الرحمان، وبعد أن قامت يزة وبقية البنات بالواجب اتجاه الضيوف وارتاح الجميع من تعب السفر والأحداث، روى لهم حامد كيف لم ينجح في الامتحان ولم يفهم المغزى من الرحلة وكيف كان يمكن أن يبقى حتى الموت في زنزانة ضيقة لا يعرف عنه أحد، لو لم تنقذه ايور، فقام عمها عبد العزيز يضمها ويقبلها باكيا وهو يشكرها ويستعطفها لتقبل اعتذاره لما فعله بهم لسنين، وهكذا فعل الجد الذي تحامل على وهنه وقام ليضمها ويقبلها ويخبرها كم هو فخور بها، خاصة لما جلست لأهلها وحكت لهم الحكاية من أولها لآخرها، كما أخبرتهم برغبة الحاكم الارتباط بها، فسألها والدها عن رغبتها هي، فطأطات راسها صامتة، فابتسمت والدتها يزة وأطلقت زغرودة ملأت أرجاء المكان، تلتها أخرى للخالة فاطمة وبارك لهما الجميع، وسألهم الحاكم إن كانوا يرغبون بالذهاب للسكن معهم في بلدته وقصره، غير أن عبد الرحمان شكره على كرمه ونبله وعلى هداياه وعطاياه وأخبره أن ذلك يشرفهم ولكنهم يفضلون أن يذهبوا لزيارتهم بين الفينة والأخرى والبقاء في مسكنهم هذا وفي بلدتهم التي عاشوا فيها منذ عقود، وبينما هم في مجلسهم الذي يغمره السرور والجو الاحتفالي، إذ جاء العم رفقة حامد وبقية أبنائه بعدما كان قد استأذن لينال قسطا من الراحة ويلتقي ببقية أهله، وطلب عبد العزيز الإذن بالجلوس، فوقف عبد الرحمان ليقول له: “تفضل يا أخي، هذا أفضل مكان وفيه اعتدت أن تجلس حينما تزورني”، فجلس عبد العزيز وهو يتمتم بعبارات بين شكر مرة ثانية وبين اعتذار جديد، وطلب من ايور استفسارا يحيره حيث سألها كيف عرفت أن الطريق الذي سلكته فيه خير لها، فقالت: “يا عمي، لا احد يعرف أين طريق الخير غير الله وإنما، أنا عزمت وتوكلت وقبل أن اتجه نحو ذلك المسلك استخرت ربي فرأيت خيرا فيه، غير أن فراستي أيضا نبهتني إلى أن ذلك الطريق أفضل من الآخر الذي يبدو سهلا وغير وعر، أولا لأني رأيت الناس يسلكونه محملين ببضائعهم ويمشون عبره بكثافة والطريق الاخر وإن كان سهلا، إلا انه كان خاليا لا يمشي فيه أحد وكأنه مهجور منذ زمن بعيد، فأثرت أن اذهب في الطريق الوعر الذي يمكنني أن أجد فيه من يساعدني على أن اذهب في طريق خلاء مهما بلغت سهولته، فيد الله مع الجماعة وأنا تبعت الجماعة، وثانيا، من خلال تجربتي في الفلاحة مع أبي، علمت الفرق بين تربتي الطريقين، فرغم وعورة المسالك إلا أن تربة الطريق الأول كانت خصبة معطاءة، مما يدل على أني سوف أجد عملا وإن كان في الفلاحة التي تعلمتها منذ الصغر، أما المسلك الثاني فكانت تربته وكأنها رمادا، وبالفعل فالذي حصل أن اهل القرية الثانية لا يفكرون إلا في اللهو واللعب، كما علمت فيما بعد من ابنك يا عمي، وأهل القرية الأولى يكدون ويكافحون، فيرزقهم الله خيرا كما رزقهم حاكما طيبا يرعى مصالحهم وأراد الله لي أن أكون من بين رعيته للأبد.”

فقام عمها وقبل جبينها وقال لأخيه تعالى يا أخي اجلس مكاني، فأنت والد السبع فرحات وأنا والد القرحات، فرد أخوه بتأثر بالغ: “بل أنت أخي الأكبر وعلي طاعتك واحترامك، فتفضل يا أخي وليكن درسا لكلانا، فأنا أيضا قللت من شأن بناتي ومن شأن أمهن وأنا نادم على ذلك، فتعانق الأخان وتصالحا وعادت الفتاة أميرة رفقة الحاكم وعاش الكل في سلام…

يقول عليه الصلاة والسلام: إنما النساء شقائق الرجال، ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم

فكم من امرأة بألف رجل وكم من رجل يحتاج لامرأة لكي يتعلم معنى الحياة، تماما كما تعلم من الدرس صديقنا المستهتر وفي الرحلة حكم كثيرة وهاته الرحلة كانت سبب انتهاء التمييز.

—-

للتذكير: تقديم الكتاب:

لقد اعتدنا أن نسمع حكايات من أسلافنا، كانوا من قبل هم يستقون العبر منها ويطبقونها في حياتهم وصرنا نحن نتناولها كأكلة سريعة من وجبات أيامنا هاته، لا نضبط معانيها ولا نتأثر بها وإن كانت ذات عبرة، ولكن هل العيب فينا أم في زمن جئنا فيه وأسميناه عصر السرعة؟ سرعة تجري بنا دون الانتباه إلى إشارات التوقف ولا إلى المحطات التي نتجاوزها؟؟

الشيء الذي ينقص عادة مقرراتنا التعليمية في العالم العربي وأيضا الغربي على حد سواء، هو أن كون هذه المقررات التعليمية تعتمد بالأساس على القصص المصورة التي توجه للأطفال، وغالبية القصص التي تروى للأطفال أو تمنحهم لقراءتها تكون شخصياتها خيالية ولا تمت للواقع بصلة، فنحن جميعا قرأنا وسمعنا عن حكاية الأمير الذي ينقذ الأميرة من براثين التنين أو الغول، وفي القصص الغربية عن الوصيفة الصغيرة الحمراء-le petit chaperon rouge-  وغيرها من الحكايات،  وبقدر ما تنمي مثل هاته القصص الخرافية خيال الطفل بقدر ما تكون أحيانا سببا في تأخر ولوجه لمحيطه الاجتماعي خوفا من أن يلتقي إحدى هاته الشخصيات الخرافية المرعبة، وقد اثبت علم النفس الحديث أنه يمكن أن ننمي خيال الطفل بحكايات قد تكون خيالية ولكن لا تكون أسطورية وبمعنى آخر يجب أن يكون ما نحكيه للطفل له وجود في الواقع وأن يخلو من الكذب، لذلك فقد حاولت أن اجعل مجمل الحكايات بهذا الكتاب، تشكل مسرحيات من الحياة السالفة،  بعيدا عن الشخصيات الخرافية التي لا توجد في الواقع.

هذا الكتاب هو وسيلة تربوية ممتعة للأطفال فوق سن التاسعة ولكنه يتميز بخاصية أنه يصلح أيضا ليقرأه الكبار كيفما كان سنهم فلا يوجد هناك سن لنتعلم عبرة ما أو نعيد تقييم خطواتنا.

ولا بأس أن أذكر القراء الأعزاء لماذا حددت سن الطفل في “ما فوق سن التاسعة”.

تتكون لدى طفل التاسعة ثقة خاصة في نفسه، فهو يبدأ بالبحث عن استقلالية في أفكاره وعادة ما لا يقتنع بالأفكار التي تأتيه من والديه أو من مربيه إلا إذا كان الجواب على سؤاله: لماذا؟ له رد مقنع، فهو ينحو نحو استقلالية فكرية أكثر ويحاول تكوين فكره الخاص المستقل، ويبدي رأيه ويحاور،  إذ لا يتقبل رأي الكبار إلا إذا كان مقتنعا به، ومن هنا رأيت أن تكون الحكايات أيضا مقنعة، لكي يتمكن من أخذ العبرة عن اقتناع فلا ينسى ما تعلمه، كما يجب على الآباء أن يزيدوا على قدرة الحكاية، قوة القدوة، ولهذا فإني أدعوهم أيضا أن يقرؤوا ويتدبروا فيها، لكي يعيدوا تقييم ما اعوج من تصرفاتهم أمام أبناءهم من اجلهم ولكن أيضا من أجل أنفسهم.

وإذا كان ابن التاسعة يهيأ نفسه لدخول مرحلة ما قبل المراهقة والابتعاد عن مرحلة الطفولة تدريجيا، فإن ابن العاشرة ينتظر اعترافا اكبر من عائلته بحاجته للاستقلال وفهم مجتمعه ومحيطه الأسري والعائلي بطريقة لا يكون فيها أي لبس وبالتالي كما سبق وذكرنا بطريقة واقعية قد يمتزج فيها الواقع بالخيال ولكن شرط ألا تكون أسطورية وخرافية كاذبة.

وليس عبثا أن أمر الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام بإلزام الأطفال بالصلاة في سن العاشرة ففي هذه السن يعرف الطفل ما له وما عليه وهو السن الذي ينتقل فيه من الطفولة إلى مرحلة يتهيأ فيها للمراهقة.

 

 

وباختصار فإننا جميعا، أطفالنا منذ سن التاسعة إلى الكبار، سوف نحاول أن نتعلم من خلال هذا الكتاب، كيف نرى في كل شيء نسمعه عبرة، حيث سنبحر مع حكايات مختلفة، أنتم من يرسم ملامح أبطالها وشخصياتها ولباسهم والأماكن التي تواجدوا بها.

أترككم مع هذا الجزء الأول من “حكايا وعبر” على آمل نشر الجزء الثاني منه إن شاء الله تعالى

  بشرى شاكر

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد