سفر حكواتي2- تعلم من ابنك

“في هذا الشهر الفضيل والذي نوزع ايامه ببين صيام وعمل وعبادة ولياليه بين لقاءات عائلية وقيام وتخشع، حينما نحتاج الى بعض الترفيه نتوجه نحو قنوات التلفزيون وتكثر الانتقادات ويزيد التشنج ماذا لو صنعنا ابطالا لحكاياتنا وسافرنا الى عوالم مختلفة من خلال حكايات وعبر؟

هديتي لكم كل فترة قصة من كتابي (حكايا وعبر) في فقرة جديدة هي “سفر حكواتي” طيلة ايام رمضان على مجلتكم ATI Mag  

للتذكير كتاب حكايا وعبر في اجزاء الف سنة 2013 وكان ينشر على صفحة مجلة سابقة على حلقات طيلة سنين

اتمنى لكم سفرا ممتعا

مع تحياتي “

بشرى شاكر- مديرة النشر

——–

سفر حكواتي2- تعلم من ابنك

أحيانا، نتعلم من أطفالنا ما غفلنا عنه ونرى فيهم مرآة تربيتنا لهم، تربية هي التي تشكل مستقبلهم وتساعدهم على مسايرة أقدارهم.

في بيت من البيوت الشعبية العادية في أحد الأحياء، حيث يكثر الصخب طوال النهار، فتسمع نداء الباعة تتعالى أصواتهم ويستدرجون المارة إلى سلعهم بذكرهم قيمة ما يبيعون وسعر ما يعرضون، في ذلك الحي البسيط حيث الصخب والضوضاء يدلان على الحياة ويشكلان الروح، كانت تعيش أسرة في بيت صغير، أسرة تتكون من أب وأم وطفل صغير وجد عجوز بلغ من السن عتيا.

الأب إنسان بسيط ، يظل طوال يومه في العمل بحثا عن رزقه ورزق أهله ولا يعود إلا أثناء وجبة الغذاء وليلا لكي يرتاح، والأم كما العديد من أمهاتنا، تزوجت حديثة السن ولا تعرف في الكون غير أسرتها بل هي كل عالمها والجد رجل طاعن في السن، مقعد لا ينفك يتمتم بكلمات غير مفهومة والطفل كما كل الأطفال الذين لم يبلغوا سن التمدرس بعد يلعب ويلهو طوال الوقت، وهنا العبرة وهنا خطأ بعض الآباء الذين يعتبرون الطفل الذي لم يبلغ بعد سن دخوله المدرسة كائنا عاديا بل أحيانا كثيرة كائنا منعدم الوجود، يأكل ويشرب ويلعب وينام، بينما هذا الطفل يشكل إنسانا بكامل وعيه، إنسانا يفهم ويقدر ويعي ويحس، أحيانا وبكل عفوية وبراءة ينبهك لما تاه عنك.

 كان الأب حينما يعود ليلا متعبا من عمله يستيقظ ابنه لأنه اعتاد على انتظاره، فيجري إليه ليقبله ويداعبه قليلا ثم يمر ليلقي التحية على والده بعصبية وإذا ما طلب منه شيئا يتعلل بتعبه وبأن موعد نومه قد حان ويفرش له فراشا اعتاد أن يفرشه لكي يجعله ينام عليه، فراشا رثا تآكل مع الزمن وتآكل أكثر لفرط نوم الجد العجوز عليه، ولكن الأب استكثر أن يشتري غيره وكانت توافقه على ذلك زوجته التي كانت تقول طفلنا أولى ووالدك ، أشرف على النهاية فماذا سيستفيد جسمه الطاعن إن نام على فراش جديد أو قديم، فهو لا ينام إلا ساعات قليلة وبصعوبة ومشقة؟!! تحليل منطقي من وجه نظرهما معا، لكن أليس هناك من نسيا أن يسألاه؟

كان هذا المشهد، يتكرر كلما عاد الأب للغذاء في البيت، فكان إذا ما وضعت زوجته المائدة واقترب منها ليتناول غذاءه، يضع القليل من الأكل الذي على المائدة في صحن صغير ويضعه أمام والده على فراشه خوفا من أن يسقط الجد الطعام من فمه وهو يتناوله لكبر سنه طبعا، ولما يحسه من تقزز وهو يراه يتناول طعامه بطريقة لا تليق كما كان يقول، وبعدها كان يجلس للمائدة هو وزوجته وطفلهما وكل هذا كان يحصل دون أن ينتبه للدموع في عيني والده الكبير، وهو يرى نفسه منفردا وسط أهله، غريبا عن ابنه، ورغم ذلك لم يكن ينطق بكلمة واحدة فلسانه قد طاله الكبر أو ربما كان يصمت لأنه لا يجد كلمات تروي ما يحسه من معاملة ابنه وفلذة كبده له.

وبهذا البيت البسيط أصبح الأمر عاديا لكل من يدخل إليه، أب ساخط على وضع عمله ويعود مرهقا وبالكاد يداعب ابنه قليلا وجد مرمي على نفس الفراش، يجلس منفردا، يرى في الصمت ملجأه وفي تمتماته تفريغا لحزنه وزوجة لا تعارض زوجها فيما يقوله أو يفعله إما لأنها توافقه في كل شيء وإما جهلا منها وإما خوفا منه.

وهكذا توالت الأيام وتشابهت إلا من يوم واحد تغيرت فيه الرؤيا واقتربت إليكم العبرة.

في هذا اليوم الذي كان يبدو عاديا كباقي الأيام عاد الزوج إلى البيت، ليجد ابنه يلعب أمام البيت بصحن وأمامه بطانية صغيرة، فقال له ما الذي تفعله هنا؟ أتدرون ما أجابه الطفل؟ لقد قال وبمنتهى العفوية والبراءة، أبي إن أمي ألقت هذه البطانية البالية ورمت بهذا الوعاء لأنه قديم فأخذته وغسلته كما أني اعدت البطانية، فسأله والده وهو يداعبه ويمازحه مبتسما ولما تفعل هذا؟  اختفت ابتسامته عند شفتيه لتتحول إلى ذهول ودهشة، بل إلى رعب كبير، حينما سمع رد الطفل الصغير وهو يقول: أنا اغسل الوعاء الذي ستأكل فيه حينما تصبح بعمر جدي، فطبعا لا يمكنك الجلوس معنا وأنت كبير جدا، وهذه البطانية ستكون مثل فراش جدي حينما أعود من العمل لما أصبح كبيرا، أجعلها فراشا لك لكي تنام عليه.

ذهل الأب وكأنه تلقى صفعة، تلون وجهه بألوان كثيرة، لم يلحظ أن ابنه قد خرج من جديد ليلتقي رفاقه الصغار ولم يكن يسمع جلبات لعبهم أمام باب المنزل، ولكنه كان يسمع فقط رنين كلماته الأخيرة له، تتردد على مسامعه وكأنها حلم فظيع، للحظات ظنها دهرا بدأ يتخيل كيف سيأكل منفردا حينما يصير عجوزا  في وعاء خاص؟ وكيف سينام على فراش واحد لا يغيره، أخذ المشهد يتشكل في ذهنه وذهب ذهنه إلى سنين بعيدة قادمة، كل هذا التفكير والغياب الذي سافر من خلاله بعيدا لم تتجاوز مدته لحظات قليلة ولكنها مرت عليه أثقل من سنين عمره.

وحينما استفاق من الصفعة التي تلقاها، هب مسرعا نحو والده يكلمه برفق ولين تعجب لهما والده وأصابه الذهول، ولم يكتف بذلك بل لقد وعده بشراء فراش جديد له وهذا ما فعله فعلا، بل وأكثر من ذلك لقد جعل له مكانا على مائدة الطعام وقدم له الأكل أولا وجعل ابنه أيضا يقدم له الفاكهة ، لا أحد كان يفهم ما حصل، لا الزوجة التي لم تنبس ببنت شفة ولا الجد الذي نطق لأول مرة بعد سنين صمت طويلة ليقول لابنه كلمات لم يسمعها منه منذ أمد بعيد، قال له: الله يرضي عليك يا ابني.

لأول مرة يسمع هاته الكلمات ولأول مرة يحس أنه هو أيضا راض عن نفسه.

الأطفال مرآتنا التي تصف لنا تربيتنا، فلا ينفع أن ندلهم على الخير ونفعل عكسه أمامهم، لا ينفع أن نقول لهم لا تسرقوا وننهب أمام أعينهم وأن نخيفهم من عقوبة الكذب ونطلب منهم الكذب حينما يكون في مصلحتنا.

الأطفال في سن صغيرة يتعلمون أكثر من خلال المشاهدة لا من خلال الوعظ بالكلام، فأنتم إذن أحبائي مرآة لأبنائكم فالأرض لا تطرح إلا ما زرعناه فيها.

تعليقات الزوار
Loading...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد